الركب المهاجر
06 Dec 2008, 02:50 PM
من عوائق الطلب
أخذ العلم عن الأصاغر
للشيخ عبد السلام بن برجس العبدالكريم -رحمه الله تعالى- وذلك من كتابه "عوائق الطلب".
لقد فشت ظاهرة أخذالعلم عن صغار الأسنان بين طلاب العلم في هذا الزمن.
وهذه الظاهرة في الحقيقةداء عضال , ومرض مزمن ، يعيق الطالب عن مراده ويعوج به عن طريق السليم الموصل إلىالعلم.
وذلك لأن أخذ العلم عن صغار الأسنان ، الذين لم ترسخ قدمهم في العلم ولمتشب لحاهم فيه ، مع وجود من هو أكبر منهم سناً ، وأرسخ قدما ، يضعف أساس المبتدى ،ويحرمه الاستفادة من خبرة العلماء الكبار ، واكتساب أخلاقهم ، التى قومها العلموالزمن... إلى غير ذلك من التعليلات التى يوحى بها أثر ابن مسعود رضى الله عنه حيثيقول : ( ولا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكبارهم وعن أمنائهم وعلمائهم ، فإذاأخذوه عن صغارهم وشرارهم هلكوا)
وثبت الحديث عن أبى أمية الجمحى أن رسول اللهصلى الله عليه وسلم قال : ( إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر).
وقد أختلف الناس فى تفسير _ الصغار _ هنا على أقوال ذكرها ابن عبد البر رحمهالله في _ الجامع _ ( 1/157 ) والشاطبى رحمه الله في الاعتصام ( 2/93(.
وقد ذهبابن قتيبة _ رحمه الله _ إلى أن الصغار هم صغار الأسنان ، فقال على أثر ابن مسعودالآنف الذكر : يريد لا يزال الناس بخير ما كان علمائهم المشايخ ، ولم يكن علمائهمالأحداث ، لأن الشيخ قد زالت عنه متعة الشباب ، حدته ، وعجلته ، وسفهه ، واستحبالتجربة والخبرة ، ولا يدخل عليه في علمه الشبهة ، ولا يغلب عليه الهوى ، ولا يميل بهالطمع ، ولا يستزله الشيطان استزلال الحدث ، فمع السن الوقار ، والجلالة ،والهيبة.
والحدث قد تدخل عليه هذه الأمور التى آمنت على الشيخ ، فإذا دخلت عليه، وأفتى هلك وأهلك.
وقد روى ابن عبد البر عن عمر ابن الخطاب رضى الله عنه أنهقال : ( قد علمت متى صلاح الناس ، ومتى فسادهم : إذا جاء الفقه من قبل الصغير ،استعصى عليه الكبير ، وإذا جاء الفقه من الكبير تابعه الصغير فاهتديا( .
وروى ابنعبد البر أيضا عن أبى الأحوص عن عبد الله قال : ( أنكم لن تزالوا بخير مادام العلمفي كباركم ، فإذا كان العلم في صغاركم سفه الصغير الكبير ).
ففى هذين الأثرينتعليل عدم الأخذ عن الصغير آخر غير الذي ذكره ابن قتيبة ، وهو خشية رد العلم إذاجاء من الصغير.
وعلى كل فإن لفظه الصغير عامة تتناول الصغير حسا ومعنى.
وهذاالحكم ليس على إطلاقه في صغير السن فقد أفتى ودرس جماعة من الصحابة والتابعين فيصغرهم ، بحضرة الأكابر إلا أن هؤلاء يندر وجود مثلهم فيمن بعدهم ، فإن وجدوا وعلمصلاحهم ، وسبر علمهم فظهرت رصانته ، ولم يوجد من الكبار أحد يؤخذ عنه العلوم التىمعهم ، وأمنت الفتنة فليؤخذ عنهم.
قال الحجاج بن أرطاة رحمه الله : كان يكرهونأن يحدث الرجل حتى يرى الشيب في لحيته.
وليس المراد أن يهجر علم الحدث مع وجودالأكابر كلا ، وإنما المراد إنزال الناس منازلهم ، فحق الحدث النابغ أن ينتفع به فيالمدارسة ، والمذاكرة ، والمباحثة... أما أن يصدر للفتوى ، ويكتب إليه بالأسئلة فلاوألف لا ، لأن ذلك قتل له ، وفتنة وتغرير.
قال الفضيل بن عياض رحمه الله : لورأيت رجلا أجتمع الناس حوله ، لقلت : هذا مجنون ، من الذي أجتمع الناس حوله لا يحبأن يجود الناس كلامه لهم.
وقال أيضا : بلغني أن العلماء في ما مضى كانوا إذاتعلموا عملوا ، وإذا عملوا شغلوا ، وإذا شغلوا فقدوا ، وإذا فقدوا طلبوا ، فإذاطلبوا هربوا.
فيا أيها الطلاب : إذا أردتم العلم من منابعة فهاؤهم العلماءالكبار ، الذين شابت لحاهم ، ونحلت جسوهم ، وذبلت قواهم في العلم والتعليم ،الزموهم قبل أن تفقدوهم ،واستخرجوا كنوزهم قبل أن توارى معهم ، وفى الليلة الظلماءيفتقد البدر.
تنبيه : في هذا الزمان اختل معيار كثير من العامة في تقييمالعلماء، فجعل كل من وعظ موعظة بليغة ، أو ألقى محاضرات هادفة ، أو خطب الجمعةمرتجلا ... عالماً يرجع اليه في الإفتاء ويؤخذ العلم عنه.
وهذه رزية مؤلمة ،وظاهرة مزرية ، تطاير شرارها ، وعم ضررها ، إذا هي إسناد العلم إلى غير أهله ، وإذاوسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة.
فليحذر الطالب من أخذ العلم عن هؤلاء، إلا إذا كانوا من أهل العلم المعروفين ، فما كل من أجاد التعبير كان عالما ، ولاكل من حرف وجوه الناس إليه بالوقيعة في ولاة أمور المسلمين ، أو بذكر نسب وفياتالايدز ونحوها يكون عالما.
وليس معنى ما تقدم كما يفهم البعض عدم الاستماع إليهم ، أو الانتفاع بمواعظهم ، كلا ، إنما المراد عدم أخذ العلم الشرعي عنهم ،وعدم رفعهم إلى منازل العلماء .
والله الموفق.
منقوول
أخذ العلم عن الأصاغر
للشيخ عبد السلام بن برجس العبدالكريم -رحمه الله تعالى- وذلك من كتابه "عوائق الطلب".
لقد فشت ظاهرة أخذالعلم عن صغار الأسنان بين طلاب العلم في هذا الزمن.
وهذه الظاهرة في الحقيقةداء عضال , ومرض مزمن ، يعيق الطالب عن مراده ويعوج به عن طريق السليم الموصل إلىالعلم.
وذلك لأن أخذ العلم عن صغار الأسنان ، الذين لم ترسخ قدمهم في العلم ولمتشب لحاهم فيه ، مع وجود من هو أكبر منهم سناً ، وأرسخ قدما ، يضعف أساس المبتدى ،ويحرمه الاستفادة من خبرة العلماء الكبار ، واكتساب أخلاقهم ، التى قومها العلموالزمن... إلى غير ذلك من التعليلات التى يوحى بها أثر ابن مسعود رضى الله عنه حيثيقول : ( ولا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكبارهم وعن أمنائهم وعلمائهم ، فإذاأخذوه عن صغارهم وشرارهم هلكوا)
وثبت الحديث عن أبى أمية الجمحى أن رسول اللهصلى الله عليه وسلم قال : ( إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر).
وقد أختلف الناس فى تفسير _ الصغار _ هنا على أقوال ذكرها ابن عبد البر رحمهالله في _ الجامع _ ( 1/157 ) والشاطبى رحمه الله في الاعتصام ( 2/93(.
وقد ذهبابن قتيبة _ رحمه الله _ إلى أن الصغار هم صغار الأسنان ، فقال على أثر ابن مسعودالآنف الذكر : يريد لا يزال الناس بخير ما كان علمائهم المشايخ ، ولم يكن علمائهمالأحداث ، لأن الشيخ قد زالت عنه متعة الشباب ، حدته ، وعجلته ، وسفهه ، واستحبالتجربة والخبرة ، ولا يدخل عليه في علمه الشبهة ، ولا يغلب عليه الهوى ، ولا يميل بهالطمع ، ولا يستزله الشيطان استزلال الحدث ، فمع السن الوقار ، والجلالة ،والهيبة.
والحدث قد تدخل عليه هذه الأمور التى آمنت على الشيخ ، فإذا دخلت عليه، وأفتى هلك وأهلك.
وقد روى ابن عبد البر عن عمر ابن الخطاب رضى الله عنه أنهقال : ( قد علمت متى صلاح الناس ، ومتى فسادهم : إذا جاء الفقه من قبل الصغير ،استعصى عليه الكبير ، وإذا جاء الفقه من الكبير تابعه الصغير فاهتديا( .
وروى ابنعبد البر أيضا عن أبى الأحوص عن عبد الله قال : ( أنكم لن تزالوا بخير مادام العلمفي كباركم ، فإذا كان العلم في صغاركم سفه الصغير الكبير ).
ففى هذين الأثرينتعليل عدم الأخذ عن الصغير آخر غير الذي ذكره ابن قتيبة ، وهو خشية رد العلم إذاجاء من الصغير.
وعلى كل فإن لفظه الصغير عامة تتناول الصغير حسا ومعنى.
وهذاالحكم ليس على إطلاقه في صغير السن فقد أفتى ودرس جماعة من الصحابة والتابعين فيصغرهم ، بحضرة الأكابر إلا أن هؤلاء يندر وجود مثلهم فيمن بعدهم ، فإن وجدوا وعلمصلاحهم ، وسبر علمهم فظهرت رصانته ، ولم يوجد من الكبار أحد يؤخذ عنه العلوم التىمعهم ، وأمنت الفتنة فليؤخذ عنهم.
قال الحجاج بن أرطاة رحمه الله : كان يكرهونأن يحدث الرجل حتى يرى الشيب في لحيته.
وليس المراد أن يهجر علم الحدث مع وجودالأكابر كلا ، وإنما المراد إنزال الناس منازلهم ، فحق الحدث النابغ أن ينتفع به فيالمدارسة ، والمذاكرة ، والمباحثة... أما أن يصدر للفتوى ، ويكتب إليه بالأسئلة فلاوألف لا ، لأن ذلك قتل له ، وفتنة وتغرير.
قال الفضيل بن عياض رحمه الله : لورأيت رجلا أجتمع الناس حوله ، لقلت : هذا مجنون ، من الذي أجتمع الناس حوله لا يحبأن يجود الناس كلامه لهم.
وقال أيضا : بلغني أن العلماء في ما مضى كانوا إذاتعلموا عملوا ، وإذا عملوا شغلوا ، وإذا شغلوا فقدوا ، وإذا فقدوا طلبوا ، فإذاطلبوا هربوا.
فيا أيها الطلاب : إذا أردتم العلم من منابعة فهاؤهم العلماءالكبار ، الذين شابت لحاهم ، ونحلت جسوهم ، وذبلت قواهم في العلم والتعليم ،الزموهم قبل أن تفقدوهم ،واستخرجوا كنوزهم قبل أن توارى معهم ، وفى الليلة الظلماءيفتقد البدر.
تنبيه : في هذا الزمان اختل معيار كثير من العامة في تقييمالعلماء، فجعل كل من وعظ موعظة بليغة ، أو ألقى محاضرات هادفة ، أو خطب الجمعةمرتجلا ... عالماً يرجع اليه في الإفتاء ويؤخذ العلم عنه.
وهذه رزية مؤلمة ،وظاهرة مزرية ، تطاير شرارها ، وعم ضررها ، إذا هي إسناد العلم إلى غير أهله ، وإذاوسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة.
فليحذر الطالب من أخذ العلم عن هؤلاء، إلا إذا كانوا من أهل العلم المعروفين ، فما كل من أجاد التعبير كان عالما ، ولاكل من حرف وجوه الناس إليه بالوقيعة في ولاة أمور المسلمين ، أو بذكر نسب وفياتالايدز ونحوها يكون عالما.
وليس معنى ما تقدم كما يفهم البعض عدم الاستماع إليهم ، أو الانتفاع بمواعظهم ، كلا ، إنما المراد عدم أخذ العلم الشرعي عنهم ،وعدم رفعهم إلى منازل العلماء .
والله الموفق.
منقوول