الركب المهاجر
23 Feb 2007, 02:01 PM
صلاة الجمــاعة
مفهوم، وفضائل، وأحكام، وفوائد،
في ضوء الكتاب والسنة
مفهوم صلاة الجماعة لغة واصطلاحاً:
1- الصلاة لغة: الدعاء، قاله الله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ
سَكَنٌ لَّهُمْ } سورة التوبة، الآية: 103 أي ادعُ لهم، وقال النبي
صلى الله عليه وسلم: (إذا دُعي أحدكم فليُجِبْ، فإن كان صائماً
فليصلِّ، وإن كان مفطراً فليطعم ) اه مسلم .
أي فليدعُ بالبركة والخير والمغفرة، والصلاة من الله حسن الثناء،
ومن الملائكة الدعاء، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ
عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } سورة
الأحزاب، الآية: 56 قال أبو العالية: "صلاة الله: ثناؤه عليه عند
الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء . وقيل: إن صلاة الله الرحمة،
وصلاة الملائكة الاستغفار، والصواب القول الأول( تفسير ابن كثير،
ص76، والشرح الممتع لابن عثيمين 3/228. )
فالصلاة من الله: الثناء، ومن المخلوقين: الملائكة، والإنس، والجن:
القيام، والركوع، والسجود، والدعاء، والاستغفار، والتسبيح.
والصلاة من الطير والهوام: التسبيح(لسان العرب لابن منظور،
باب الياء فصل الصاد، 14/465. )
2- الصلاة في الاصطلاح الشرعي: عبادة لله ذات أقوال، وأفعال
معلومة مخصوصة، مفتَتَحة بالتكبير، مختَتَمة بالتسليم، وسُمِّيت
صلاة؛ لاشتمالها على الدعاء( المغني لابن قدامة، 3/5، )؛ فإنها
كانت اسماً لكل دعاء فصارت اسماً لدعاء مخصوص، أو كانت
اسماً لدعاء فنقلت إلى الصلاة الشرعية؛ لما بينها وبين الدعاء من
المناسبة، والأمر في ذلك متقارب، فإذا أطلق اسم الصلاة في
الشرع لم يفهم منه إلا الصلاة المشروعة (شرح العمدة، لشيخ )
الإسلام ابن تيمية، 2/30. )
وقد اشتملت على الدعاء بنوعيه:دعاء المسألة: وهو طلب ما ينفع
الداعي من جلب النفع أو دفع ضر أو كشفه، وسؤال الحاجات من
الله بلسان الحال.
ودعاء العبادة: وهو طلب الثواب بالأعمال الصالحة: من القيام،
والركوع، والسجود، فمن فعل هذه العبادات فقد دعا ربه وطلبه
بلسان الحال أن يغفر له، فاتضح بذلك أن الصلاة كلها: دعاء مسألة
ودعاء عبادة؛ لاشتمالها على ذلك كله ) : فتح المجيد لشرح كتاب
التوحيد للعلامة محمد بن حسين آل الشيخ ص180 )
حكم صلاة الجماعة:
صلاة الجماعة فرض عين على الرجال المكلفين القادرين، حضراً
وسفراً، للصلوات الخمس؛ لأدلة صريحة كثيرة من الكتاب والسنة
الصحيحة، والآثار، ومنها ما يأتي:
1- أمر الله تعالى حال الخوف بالصلاة جماعة فقال: { وَإِذَا كُنتَ
فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ
فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ
فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ } سورة النساء، الآية:
102. فالله – عز وجل- أمر بالصلاة في الجماعة في شدة
الخوف، ثم أعاد هذا الأمر سبحانه مرة ثانية في حق الطائفة
الثانية، فلو كانت الجماعة سنة لكان أولى الأعذار بسقوطها عذر
الخوف، ولو كانت فرض كفاية لأسقطها سبحانه عن الطائفة الثانية
بفعل الأولى، فدّل ذلك على أن الجماعة فرض على الأعيان.
2- أمر الله – عز وجل- بالصلاة مع المصلين فقال :{ وَأَقِيمُواْ
الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ} سورة البقرة، الآية:
43، فقد أمر الله – عز وجل- بالصلاة مع جماعة المصلين
والأمر يقتضي الوجوب.
3-عاقب الله من لم يُجب المؤذن فيصلي مع الجماعة بأن حال
بينهم وبين السجود يوم القيامة، قال – عز وجل: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن
سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ، خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ
تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ } سورة
القلم، الآيتان: 42-43. فقد عاقب سبحانه من لم يجب الداعي إلى
الصلاة مع الجماعة بأن حال بينه وبين السجود يوم القيامة، وعن
أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه- قال: سمعت النبي صلى الله
عليه وسلم يقول: ”يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن
ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياءً وسمعة، فيذهب
ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً“. وفي لفظ: ”.. فيُكشف عن ساق
فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود،
ولا يبقى من كان يسجد اتقاءً ورياءً إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة
كلما أراد أن يسجد خرَّ على قفاه..“
وهذا فيه عقوبة للمنافقين وأن ظهورهم يوم القيامة تكون طبقاً
واحداً: أي فقار الظهر كله يكون كالفقارة الواحدة فلا يقدرون على
السجود.
4- أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة مع الجماعة، فعن مالك
بن الحويرث – رضي الله عنه- قال: أتيت النبي صلى الله عليه
وسلم في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة – وكان رحيماً
رفيقاً- فلما رأى شوقنا إلى أهالينا قال: ( ارجعوا فكونوا فيهم،
وعلِّموهم، وصلُّوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم،
وليؤمكم أكبركم) متفق عليه
فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر بصلاة الجماعة، والأمر يقتضي
الوجوب.
5- النبي صلى الله عليه وسلم بتحريق البيوت على المتخلفين
عن صلاة الجماعة؛ فعن أبي هريرة – رضي الله عنه- أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم فقد ناساً في بعض الصلوات فقال: ”لقد
هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أُخالف إلى رجالٍ يتخلَّفون
عنها فآمر بهم فيحرقوا عليهم بحزم الحطب بيوتهم، ولو عَلِمَ أحدهم
أنه يجد عظماً سميناً لشهدها“. وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: ”
والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب ليحطب، ثم آمر
بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجالٍ
فأحرِّق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عَرْقاً
سميناً أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء“. وفي لفظ مسلم: ”إن أثقل
صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما
فيهما لأتموهما ولو حبواً، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتُقام، ثم
آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من
حطب إلى قومٍ لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم
بالنار“.وفي هذا الحديث دلالة على أن صلاة الجماعة فرض
عين.
6- لم يرخص النبي صلى الله عليه وسلم للأعمى بعيد الدار في
التخلف عن الجماعة؛ فعن أبي هريرة – رضي الله عنه- قال: ( أتى
النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال: يا رسول الله إنه ليس
لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم
أن يرخص له؛ فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولَّى دعاه فقال:
”هل تسمع النداء بالصلاة؟“ فقال: نعم، قال: ”فأجب ) رواه مسلم
وعن ابن أم مكتوم – رضي الله عنه- أنه سأل النبي صلى الله عليه
وسلم فقال: يا رسول الله، إني رجل ضرير البصر، شاسع الدار،
ولي قائد لا يلائمني، فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: (هل
تسمع النداء؟“ قال: نعم، قال: ”لا أجد لك رخصة )صحيح رواه
ابو داود.وفي لفظ أنه قال: يا رسول الله، إن المدينة كثيرة الهوام
والسباع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أتسمع حيَّ على الصلاة
حيَّ على الفلاح؟ فحي هلا)صحيح أبو داود
وهذا يصرح فيه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لا رخصة للمسلم
في التخلف عن صلاة الجماعة إذا سمع النداء، ولو كان مخيراً بين
أن يصلي وحده أو جماعة، لكان أولى الناس بهذا التخيير هذا
الأعمى الذي قد اجتمع له سنة أعذار: كونه أعمى البصر، وبعيد
الدار، والمدينة كثيرة الهوام والسباع، وليس له قائد يلائمه، وكبير
السن، وكثرة النخل والشجر بينه وبين المسجد.
7- بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن من سمع النداء فلم يأته فلا
صلاة له؛ فعن ابن عباس – رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال: ( من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من
عذر ( ابن ماجه ، والدارقطني في سننه، والحاكم وصححه على
شرط الشيخين ووافقه الذهبي). وهذا يدل على أن صلاة الجماعة
فرض عين، وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز
– رحمه الله- يقول: "معنى لا صلاة له: أي لا صلاة كاملة بل
ناقصة، والجمهور على الإجزاء....
8 - تركُ صلاة الجماعة من علامات المنافقين ومن أسباب
الضلال؛ لقول عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه-: "لقد رأيتُنا
وما يتخلَّف عن الصلاة إلا منافق قد عُلِم نفاقه، أو مريض، إن كان
المريض ليمشي بين الرجلين حتى يأتي الصلاة، وقال: إن النبي
صلى الله عليه وسلم علمنا سنن الهُدى، وإن من سنن الهُدى الصلاة
في المسجد الذي يؤذن فيه". وفي رواية: أن عبد الله قال: ( من سره
أن يلقى الله تعالى غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات، حيثُ
ينادى بهِنَّ؛ فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى وإنهنَّ من سنن الهدى،
ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم
سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر
فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجدٍ من هذه المساجد إلا كتب الله له
بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها
سيئة، ولقد رأيتُنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان
الرجل يؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف )ملسم
وهذا يدل على أن التخلف عن الجماعة من علامات المنافقين
المعلوم نفاقهم، وعلامات النفاق لا تكون بترك مستحب ولا بفعل
مكروه، ومعلوم أن من استقرأ علامات النفاق في السنة وجدها إما
بترك فريضة أو فعل محرم وفي هذا كله تأكيد أمر الجماعة،
وتحمل المشقة في حضورها، وأنه إذا أمكن المريض ونحوه
التوصل إليها استحب له حضورها.
وعن أبي هريرة – رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: ( إن للمنافقين علامات يعرفون بها: تحيتهم لعنةٌ، وطعامهم
نُهبة، وغنيمتهم غلول، ولا يقربون المساجد إلا هَجْراً، ولا يأتون
الصلاة إلا دَبْراً( أي متأخرين) مستكبرين، لا يألفون ولا يؤلفون،
خُشُبٌ( : أي ينامون الليل ) بالليل، صُخُبٌ بالنهار“( الضجة
واضطراب الأصوات للخصام على الدنيا شحّاً وحرصاً). وفي
لفظ: ”سُخُبٌ بالنهار )رواه أحمد في المسند،
وعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما- قال: (كنا إذا فقدنا
الرجل في صلاة العشاء وصلاة الفجر أسأنا به الظن ) ابن أبي
شيبة في المصنف. وفي رواية عنه – رضي الله عنه: ( كنا إذا
فقدنا الرجل في صلاة الغداة أسأنا به الظن)البزار مختصر
زوائد مسند البزار لابن حجر، 1/228، برقم 302
نكمل الموضوع لاحقا بإذن الله عز وجل
مفهوم، وفضائل، وأحكام، وفوائد،
في ضوء الكتاب والسنة
مفهوم صلاة الجماعة لغة واصطلاحاً:
1- الصلاة لغة: الدعاء، قاله الله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ
سَكَنٌ لَّهُمْ } سورة التوبة، الآية: 103 أي ادعُ لهم، وقال النبي
صلى الله عليه وسلم: (إذا دُعي أحدكم فليُجِبْ، فإن كان صائماً
فليصلِّ، وإن كان مفطراً فليطعم ) اه مسلم .
أي فليدعُ بالبركة والخير والمغفرة، والصلاة من الله حسن الثناء،
ومن الملائكة الدعاء، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ
عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } سورة
الأحزاب، الآية: 56 قال أبو العالية: "صلاة الله: ثناؤه عليه عند
الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء . وقيل: إن صلاة الله الرحمة،
وصلاة الملائكة الاستغفار، والصواب القول الأول( تفسير ابن كثير،
ص76، والشرح الممتع لابن عثيمين 3/228. )
فالصلاة من الله: الثناء، ومن المخلوقين: الملائكة، والإنس، والجن:
القيام، والركوع، والسجود، والدعاء، والاستغفار، والتسبيح.
والصلاة من الطير والهوام: التسبيح(لسان العرب لابن منظور،
باب الياء فصل الصاد، 14/465. )
2- الصلاة في الاصطلاح الشرعي: عبادة لله ذات أقوال، وأفعال
معلومة مخصوصة، مفتَتَحة بالتكبير، مختَتَمة بالتسليم، وسُمِّيت
صلاة؛ لاشتمالها على الدعاء( المغني لابن قدامة، 3/5، )؛ فإنها
كانت اسماً لكل دعاء فصارت اسماً لدعاء مخصوص، أو كانت
اسماً لدعاء فنقلت إلى الصلاة الشرعية؛ لما بينها وبين الدعاء من
المناسبة، والأمر في ذلك متقارب، فإذا أطلق اسم الصلاة في
الشرع لم يفهم منه إلا الصلاة المشروعة (شرح العمدة، لشيخ )
الإسلام ابن تيمية، 2/30. )
وقد اشتملت على الدعاء بنوعيه:دعاء المسألة: وهو طلب ما ينفع
الداعي من جلب النفع أو دفع ضر أو كشفه، وسؤال الحاجات من
الله بلسان الحال.
ودعاء العبادة: وهو طلب الثواب بالأعمال الصالحة: من القيام،
والركوع، والسجود، فمن فعل هذه العبادات فقد دعا ربه وطلبه
بلسان الحال أن يغفر له، فاتضح بذلك أن الصلاة كلها: دعاء مسألة
ودعاء عبادة؛ لاشتمالها على ذلك كله ) : فتح المجيد لشرح كتاب
التوحيد للعلامة محمد بن حسين آل الشيخ ص180 )
حكم صلاة الجماعة:
صلاة الجماعة فرض عين على الرجال المكلفين القادرين، حضراً
وسفراً، للصلوات الخمس؛ لأدلة صريحة كثيرة من الكتاب والسنة
الصحيحة، والآثار، ومنها ما يأتي:
1- أمر الله تعالى حال الخوف بالصلاة جماعة فقال: { وَإِذَا كُنتَ
فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ
فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ
فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ } سورة النساء، الآية:
102. فالله – عز وجل- أمر بالصلاة في الجماعة في شدة
الخوف، ثم أعاد هذا الأمر سبحانه مرة ثانية في حق الطائفة
الثانية، فلو كانت الجماعة سنة لكان أولى الأعذار بسقوطها عذر
الخوف، ولو كانت فرض كفاية لأسقطها سبحانه عن الطائفة الثانية
بفعل الأولى، فدّل ذلك على أن الجماعة فرض على الأعيان.
2- أمر الله – عز وجل- بالصلاة مع المصلين فقال :{ وَأَقِيمُواْ
الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ} سورة البقرة، الآية:
43، فقد أمر الله – عز وجل- بالصلاة مع جماعة المصلين
والأمر يقتضي الوجوب.
3-عاقب الله من لم يُجب المؤذن فيصلي مع الجماعة بأن حال
بينهم وبين السجود يوم القيامة، قال – عز وجل: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن
سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ، خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ
تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ } سورة
القلم، الآيتان: 42-43. فقد عاقب سبحانه من لم يجب الداعي إلى
الصلاة مع الجماعة بأن حال بينه وبين السجود يوم القيامة، وعن
أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه- قال: سمعت النبي صلى الله
عليه وسلم يقول: ”يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن
ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياءً وسمعة، فيذهب
ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً“. وفي لفظ: ”.. فيُكشف عن ساق
فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود،
ولا يبقى من كان يسجد اتقاءً ورياءً إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة
كلما أراد أن يسجد خرَّ على قفاه..“
وهذا فيه عقوبة للمنافقين وأن ظهورهم يوم القيامة تكون طبقاً
واحداً: أي فقار الظهر كله يكون كالفقارة الواحدة فلا يقدرون على
السجود.
4- أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة مع الجماعة، فعن مالك
بن الحويرث – رضي الله عنه- قال: أتيت النبي صلى الله عليه
وسلم في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة – وكان رحيماً
رفيقاً- فلما رأى شوقنا إلى أهالينا قال: ( ارجعوا فكونوا فيهم،
وعلِّموهم، وصلُّوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم،
وليؤمكم أكبركم) متفق عليه
فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر بصلاة الجماعة، والأمر يقتضي
الوجوب.
5- النبي صلى الله عليه وسلم بتحريق البيوت على المتخلفين
عن صلاة الجماعة؛ فعن أبي هريرة – رضي الله عنه- أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم فقد ناساً في بعض الصلوات فقال: ”لقد
هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أُخالف إلى رجالٍ يتخلَّفون
عنها فآمر بهم فيحرقوا عليهم بحزم الحطب بيوتهم، ولو عَلِمَ أحدهم
أنه يجد عظماً سميناً لشهدها“. وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: ”
والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب ليحطب، ثم آمر
بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجالٍ
فأحرِّق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عَرْقاً
سميناً أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء“. وفي لفظ مسلم: ”إن أثقل
صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما
فيهما لأتموهما ولو حبواً، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتُقام، ثم
آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من
حطب إلى قومٍ لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم
بالنار“.وفي هذا الحديث دلالة على أن صلاة الجماعة فرض
عين.
6- لم يرخص النبي صلى الله عليه وسلم للأعمى بعيد الدار في
التخلف عن الجماعة؛ فعن أبي هريرة – رضي الله عنه- قال: ( أتى
النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال: يا رسول الله إنه ليس
لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم
أن يرخص له؛ فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولَّى دعاه فقال:
”هل تسمع النداء بالصلاة؟“ فقال: نعم، قال: ”فأجب ) رواه مسلم
وعن ابن أم مكتوم – رضي الله عنه- أنه سأل النبي صلى الله عليه
وسلم فقال: يا رسول الله، إني رجل ضرير البصر، شاسع الدار،
ولي قائد لا يلائمني، فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: (هل
تسمع النداء؟“ قال: نعم، قال: ”لا أجد لك رخصة )صحيح رواه
ابو داود.وفي لفظ أنه قال: يا رسول الله، إن المدينة كثيرة الهوام
والسباع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أتسمع حيَّ على الصلاة
حيَّ على الفلاح؟ فحي هلا)صحيح أبو داود
وهذا يصرح فيه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لا رخصة للمسلم
في التخلف عن صلاة الجماعة إذا سمع النداء، ولو كان مخيراً بين
أن يصلي وحده أو جماعة، لكان أولى الناس بهذا التخيير هذا
الأعمى الذي قد اجتمع له سنة أعذار: كونه أعمى البصر، وبعيد
الدار، والمدينة كثيرة الهوام والسباع، وليس له قائد يلائمه، وكبير
السن، وكثرة النخل والشجر بينه وبين المسجد.
7- بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن من سمع النداء فلم يأته فلا
صلاة له؛ فعن ابن عباس – رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال: ( من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من
عذر ( ابن ماجه ، والدارقطني في سننه، والحاكم وصححه على
شرط الشيخين ووافقه الذهبي). وهذا يدل على أن صلاة الجماعة
فرض عين، وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز
– رحمه الله- يقول: "معنى لا صلاة له: أي لا صلاة كاملة بل
ناقصة، والجمهور على الإجزاء....
8 - تركُ صلاة الجماعة من علامات المنافقين ومن أسباب
الضلال؛ لقول عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه-: "لقد رأيتُنا
وما يتخلَّف عن الصلاة إلا منافق قد عُلِم نفاقه، أو مريض، إن كان
المريض ليمشي بين الرجلين حتى يأتي الصلاة، وقال: إن النبي
صلى الله عليه وسلم علمنا سنن الهُدى، وإن من سنن الهُدى الصلاة
في المسجد الذي يؤذن فيه". وفي رواية: أن عبد الله قال: ( من سره
أن يلقى الله تعالى غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات، حيثُ
ينادى بهِنَّ؛ فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى وإنهنَّ من سنن الهدى،
ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم
سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر
فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجدٍ من هذه المساجد إلا كتب الله له
بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها
سيئة، ولقد رأيتُنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان
الرجل يؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف )ملسم
وهذا يدل على أن التخلف عن الجماعة من علامات المنافقين
المعلوم نفاقهم، وعلامات النفاق لا تكون بترك مستحب ولا بفعل
مكروه، ومعلوم أن من استقرأ علامات النفاق في السنة وجدها إما
بترك فريضة أو فعل محرم وفي هذا كله تأكيد أمر الجماعة،
وتحمل المشقة في حضورها، وأنه إذا أمكن المريض ونحوه
التوصل إليها استحب له حضورها.
وعن أبي هريرة – رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: ( إن للمنافقين علامات يعرفون بها: تحيتهم لعنةٌ، وطعامهم
نُهبة، وغنيمتهم غلول، ولا يقربون المساجد إلا هَجْراً، ولا يأتون
الصلاة إلا دَبْراً( أي متأخرين) مستكبرين، لا يألفون ولا يؤلفون،
خُشُبٌ( : أي ينامون الليل ) بالليل، صُخُبٌ بالنهار“( الضجة
واضطراب الأصوات للخصام على الدنيا شحّاً وحرصاً). وفي
لفظ: ”سُخُبٌ بالنهار )رواه أحمد في المسند،
وعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما- قال: (كنا إذا فقدنا
الرجل في صلاة العشاء وصلاة الفجر أسأنا به الظن ) ابن أبي
شيبة في المصنف. وفي رواية عنه – رضي الله عنه: ( كنا إذا
فقدنا الرجل في صلاة الغداة أسأنا به الظن)البزار مختصر
زوائد مسند البزار لابن حجر، 1/228، برقم 302
نكمل الموضوع لاحقا بإذن الله عز وجل