المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : صلاة الجماعة


الركب المهاجر
23 Feb 2007, 02:01 PM
صلاة الجمــاعة

مفهوم، وفضائل، وأحكام، وفوائد،

في ضوء الكتاب والسنة

مفهوم صلاة الجماعة لغة واصطلاحاً:

1- الصلاة لغة: الدعاء، قاله الله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ
سَكَنٌ لَّهُمْ } سورة التوبة، الآية: 103 أي ادعُ لهم، وقال النبي
صلى الله عليه وسلم: (إذا دُعي أحدكم فليُجِبْ، فإن كان صائماً
فليصلِّ، وإن كان مفطراً فليطعم ) اه مسلم .

أي فليدعُ بالبركة والخير والمغفرة، والصلاة من الله حسن الثناء،
ومن الملائكة الدعاء، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ
عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } سورة
الأحزاب، الآية: 56 قال أبو العالية: "صلاة الله: ثناؤه عليه عند
الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء . وقيل: إن صلاة الله الرحمة،
وصلاة الملائكة الاستغفار، والصواب القول الأول( تفسير ابن كثير،
ص76، والشرح الممتع لابن عثيمين 3/228. )

فالصلاة من الله: الثناء، ومن المخلوقين: الملائكة، والإنس، والجن:
القيام، والركوع، والسجود، والدعاء، والاستغفار، والتسبيح.
والصلاة من الطير والهوام: التسبيح(لسان العرب لابن منظور،
باب الياء فصل الصاد، 14/465. )

2- الصلاة في الاصطلاح الشرعي: عبادة لله ذات أقوال، وأفعال
معلومة مخصوصة، مفتَتَحة بالتكبير، مختَتَمة بالتسليم، وسُمِّيت
صلاة؛ لاشتمالها على الدعاء( المغني لابن قدامة، 3/5، )؛ فإنها
كانت اسماً لكل دعاء فصارت اسماً لدعاء مخصوص، أو كانت
اسماً لدعاء فنقلت إلى الصلاة الشرعية؛ لما بينها وبين الدعاء من
المناسبة، والأمر في ذلك متقارب، فإذا أطلق اسم الصلاة في
الشرع لم يفهم منه إلا الصلاة المشروعة (شرح العمدة، لشيخ )
الإسلام ابن تيمية، 2/30. )

وقد اشتملت على الدعاء بنوعيه:دعاء المسألة: وهو طلب ما ينفع
الداعي من جلب النفع أو دفع ضر أو كشفه، وسؤال الحاجات من
الله بلسان الحال.

ودعاء العبادة: وهو طلب الثواب بالأعمال الصالحة: من القيام،
والركوع، والسجود، فمن فعل هذه العبادات فقد دعا ربه وطلبه
بلسان الحال أن يغفر له، فاتضح بذلك أن الصلاة كلها: دعاء مسألة
ودعاء عبادة؛ لاشتمالها على ذلك كله ) : فتح المجيد لشرح كتاب
التوحيد للعلامة محمد بن حسين آل الشيخ ص180 )

حكم صلاة الجماعة:

صلاة الجماعة فرض عين على الرجال المكلفين القادرين، حضراً
وسفراً، للصلوات الخمس؛ لأدلة صريحة كثيرة من الكتاب والسنة
الصحيحة، والآثار، ومنها ما يأتي:
1- أمر الله تعالى حال الخوف بالصلاة جماعة فقال: { وَإِذَا كُنتَ
فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ
فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ
فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ } سورة النساء، الآية:
102. فالله – عز وجل- أمر بالصلاة في الجماعة في شدة
الخوف، ثم أعاد هذا الأمر سبحانه مرة ثانية في حق الطائفة
الثانية، فلو كانت الجماعة سنة لكان أولى الأعذار بسقوطها عذر
الخوف، ولو كانت فرض كفاية لأسقطها سبحانه عن الطائفة الثانية
بفعل الأولى، فدّل ذلك على أن الجماعة فرض على الأعيان.

2- أمر الله – عز وجل- بالصلاة مع المصلين فقال :{ وَأَقِيمُواْ
الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ} سورة البقرة، الآية:
43، فقد أمر الله – عز وجل- بالصلاة مع جماعة المصلين
والأمر يقتضي الوجوب.

3-عاقب الله من لم يُجب المؤذن فيصلي مع الجماعة بأن حال
بينهم وبين السجود يوم القيامة، قال – عز وجل: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن
سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ، خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ
تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ } سورة
القلم، الآيتان: 42-43. فقد عاقب سبحانه من لم يجب الداعي إلى
الصلاة مع الجماعة بأن حال بينه وبين السجود يوم القيامة، وعن
أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه- قال: سمعت النبي صلى الله
عليه وسلم يقول: ”يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن
ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياءً وسمعة، فيذهب
ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً“. وفي لفظ: ”.. فيُكشف عن ساق
فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود،
ولا يبقى من كان يسجد اتقاءً ورياءً إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة
كلما أراد أن يسجد خرَّ على قفاه..“

وهذا فيه عقوبة للمنافقين وأن ظهورهم يوم القيامة تكون طبقاً
واحداً: أي فقار الظهر كله يكون كالفقارة الواحدة فلا يقدرون على
السجود.

4- أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة مع الجماعة، فعن مالك
بن الحويرث – رضي الله عنه- قال: أتيت النبي صلى الله عليه
وسلم في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة – وكان رحيماً
رفيقاً- فلما رأى شوقنا إلى أهالينا قال: ( ارجعوا فكونوا فيهم،
وعلِّموهم، وصلُّوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم،
وليؤمكم أكبركم) متفق عليه

فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر بصلاة الجماعة، والأمر يقتضي
الوجوب.

5- النبي صلى الله عليه وسلم بتحريق البيوت على المتخلفين
عن صلاة الجماعة؛ فعن أبي هريرة – رضي الله عنه- أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم فقد ناساً في بعض الصلوات فقال: ”لقد
هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أُخالف إلى رجالٍ يتخلَّفون
عنها فآمر بهم فيحرقوا عليهم بحزم الحطب بيوتهم، ولو عَلِمَ أحدهم
أنه يجد عظماً سميناً لشهدها“. وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: ”
والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب ليحطب، ثم آمر
بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجالٍ
فأحرِّق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عَرْقاً
سميناً أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء“. وفي لفظ مسلم: ”إن أثقل
صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما
فيهما لأتموهما ولو حبواً، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتُقام، ثم
آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من
حطب إلى قومٍ لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم
بالنار“.وفي هذا الحديث دلالة على أن صلاة الجماعة فرض
عين.

6- لم يرخص النبي صلى الله عليه وسلم للأعمى بعيد الدار في
التخلف عن الجماعة؛ فعن أبي هريرة – رضي الله عنه- قال: ( أتى
النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال: يا رسول الله إنه ليس
لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم
أن يرخص له؛ فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولَّى دعاه فقال:
”هل تسمع النداء بالصلاة؟“ فقال: نعم، قال: ”فأجب ) رواه مسلم


وعن ابن أم مكتوم – رضي الله عنه- أنه سأل النبي صلى الله عليه
وسلم فقال: يا رسول الله، إني رجل ضرير البصر، شاسع الدار،
ولي قائد لا يلائمني، فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: (هل
تسمع النداء؟“ قال: نعم، قال: ”لا أجد لك رخصة )صحيح رواه
ابو داود.وفي لفظ أنه قال: يا رسول الله، إن المدينة كثيرة الهوام
والسباع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أتسمع حيَّ على الصلاة
حيَّ على الفلاح؟ فحي هلا)صحيح أبو داود

وهذا يصرح فيه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لا رخصة للمسلم
في التخلف عن صلاة الجماعة إذا سمع النداء، ولو كان مخيراً بين
أن يصلي وحده أو جماعة، لكان أولى الناس بهذا التخيير هذا
الأعمى الذي قد اجتمع له سنة أعذار: كونه أعمى البصر، وبعيد
الدار، والمدينة كثيرة الهوام والسباع، وليس له قائد يلائمه، وكبير
السن، وكثرة النخل والشجر بينه وبين المسجد.

7- بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن من سمع النداء فلم يأته فلا
صلاة له؛ فعن ابن عباس – رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال: ( من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من
عذر ( ابن ماجه ، والدارقطني في سننه، والحاكم وصححه على
شرط الشيخين ووافقه الذهبي). وهذا يدل على أن صلاة الجماعة
فرض عين، وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز
– رحمه الله- يقول: "معنى لا صلاة له: أي لا صلاة كاملة بل
ناقصة، والجمهور على الإجزاء....


8 - تركُ صلاة الجماعة من علامات المنافقين ومن أسباب
الضلال؛ لقول عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه-: "لقد رأيتُنا
وما يتخلَّف عن الصلاة إلا منافق قد عُلِم نفاقه، أو مريض، إن كان
المريض ليمشي بين الرجلين حتى يأتي الصلاة، وقال: إن النبي
صلى الله عليه وسلم علمنا سنن الهُدى، وإن من سنن الهُدى الصلاة

في المسجد الذي يؤذن فيه". وفي رواية: أن عبد الله قال: ( من سره
أن يلقى الله تعالى غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات، حيثُ
ينادى بهِنَّ؛ فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى وإنهنَّ من سنن الهدى،
ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم
سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر
فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجدٍ من هذه المساجد إلا كتب الله له
بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها
سيئة، ولقد رأيتُنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان
الرجل يؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف )ملسم

وهذا يدل على أن التخلف عن الجماعة من علامات المنافقين
المعلوم نفاقهم، وعلامات النفاق لا تكون بترك مستحب ولا بفعل
مكروه، ومعلوم أن من استقرأ علامات النفاق في السنة وجدها إما
بترك فريضة أو فعل محرم وفي هذا كله تأكيد أمر الجماعة،
وتحمل المشقة في حضورها، وأنه إذا أمكن المريض ونحوه
التوصل إليها استحب له حضورها.

وعن أبي هريرة – رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: ( إن للمنافقين علامات يعرفون بها: تحيتهم لعنةٌ، وطعامهم
نُهبة، وغنيمتهم غلول، ولا يقربون المساجد إلا هَجْراً، ولا يأتون
الصلاة إلا دَبْراً( أي متأخرين) مستكبرين، لا يألفون ولا يؤلفون،
خُشُبٌ( : أي ينامون الليل ) بالليل، صُخُبٌ بالنهار“( الضجة
واضطراب الأصوات للخصام على الدنيا شحّاً وحرصاً). وفي
لفظ: ”سُخُبٌ بالنهار )رواه أحمد في المسند،

وعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما- قال: (كنا إذا فقدنا
الرجل في صلاة العشاء وصلاة الفجر أسأنا به الظن ) ابن أبي
شيبة في المصنف. وفي رواية عنه – رضي الله عنه: ( كنا إذا
فقدنا الرجل في صلاة الغداة أسأنا به الظن)البزار مختصر
زوائد مسند البزار لابن حجر، 1/228، برقم 302

نكمل الموضوع لاحقا بإذن الله عز وجل

الركب المهاجر
28 Feb 2007, 08:53 PM
9- تارك صلاة الجماعة متوعد بالختم على قلبه؛ لحديث ابن عباس
وابن عمر - رضي الله عنهم- أنهما سمعا النبي صلى الله عليه
وسلم يقول ( على أعواده : لينتهين أقوامٌ عن ودعهم الجماعات أو
ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكوننَّ من الغافلين ) صحيح ابن ماجه.
وهذا التهديد لا يكون إلا على ترك واجب عظيم.

10- استحواذ الشيطان على قوم لا تقام فيهم الجماعة؛ لحديث أبي
الدرداء- رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول : ( ما من ثلاثة في قرية، ولا بدوٍ لا تقام فيهم الصلاة
إلا قد استحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من
الغنم القاصية ) رواه ابوداود والنسائي واحمد والحاكم وصححه
قال زائدة: قال السائب: يعني بالجماعة: الصلاة في الجماعة،
فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم باستحواذ الشيطان عليهم بترك
الجماعة التي شعارها الأذان، وإقامة الصلاة، ولو كانت الجماعة
ندباً يخير الرجل بين فعلها وتركها لما استحوذ الشيطان على تاركها
وتارك شعارها.

11- تحريم الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلي صلاة
الجماعة؛ لحديث أبي الشعثاء قال: ( كنا قعوداً في المسجد مع أبي
هريرة – رضي الله عنه- فأذن المؤذن، فقام رجل من المسجد
يمشي فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد، فقال أبو
هريرة – رضي الله عنه-: "أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله
عليه وسلم ) رواه مسلم . فقد جعله أبو هريرة – رضي الله عنه-
عاصياً لرسول الله صلى الله عليه وسلم بخروجه بعد الأذان؛ لتركه
الصلاة جماعة.

قال الإمام النووي – رحمه الله تعالى-: "فيه كراهة الخروج من
المسجد بعد الأذان حتى يصلي المكتوبة إلا لعذر والله أعلم. وقد
جاء النهي صريحاً، فعن أبي هريرة – رضي الله عنه- قال: أمرنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا كنتم في المسجد فنودي
بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلي ) رواه أحمد ورجاله رجال
الصحيح ). وعنه – رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ( لا يسمع النداء في مسجدي هذا ثم يخرج منه إلا
لحاجة، ثم لا يرجع إليه إلا منافق ) رواه الطبراني في الأوسط
ورجاله رجال الصحيح.

وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز – رحمه الله- يذكر أنه لا يجوز الخروج من المسجد الذي أذن فيه، إلا لعذر: كأن
يريد الوضوء أو يصلي في مسجد آخر.

قلت: قال الترمذي – رحمه الله-: "وعلى هذا العمل عند أهل العلم
من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومن بعدهم، أن لا يخرج
أحد من المسجد بعد الأذان إلا من عذر، أو يكون على غير
وضوء، أو أمرٌ لا بد منه.

وذكر المباركفوري – رحمه الله-: أن الحديث يدل على أنه لا
يجوز الخروج من المسجد، بعدما أذن فيه، إلا للضرورة، كمن كان
جنباً، أو عليه حدث أصغر، أو الذي حصل له رعاف أو الحاقن،
ونحوهم، وكذا من يكون إماماً لمسجد آخر، ومن في معناه.

12- تفقد النبي صلى الله عليه وسلم للجماعة في المسجد يدل على
وجوب صلاة الجماعة؛ لحديث أبي بن كعب – رضي الله عنه-
قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً الصبح، فقال :
( أشاهد فلان؟ قالوا: لا، قال: أشاهد فلان؟ قالوا: لا، قال: إن هاتين
الصلاتين( أي صلاة العشاء والفجر) أثقل الصلوات على المنافقين،
ولو تعلمون ما فيهما، لأتيتموها ولو حبوا على الركب، وإن الصف
الأول على مثل صف الملائكة، ولو علمتم ما فضيلته لابتدرتموه،
وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع
الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كثر فهو أحب إلى الله
تعالى ) سنن أبي داود وصحيح النسائي.

13- إجماع الصحابة – رضي الله عنهم- على وجوب صلاة
الجماعة؛ فقد ذكر الإمام ابن القيم – رحمه الله تعالى- إجماع
الصحابة على وجوب صلاة الجماعة، وذكر نصوصهم في ذلك، ثم
قال: "فهذه نصوص الصحابة كما تراها: صحةً وشهرةً، وانتشاراً،
ولم يجيء عن صحابي واحد خلاف ذلك، وكل من هذه الآثار دليل
مستقل في المسألة، لو كان وحده، فكيف إذا تعاضدت وتظافرت،
وبالله التوفيق .

وقال الترمذي – رحمه الله-: "وقد روي عن غير واحد من
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا: من سمع النداء فلم
يجب فلا صلاة له". وقال بعض أهل العلم: هذا على التغليظ
والتشديد ولا رخصة لأحد في ترك الجماعة إلا من عذر".
وقال مجاهد: "وسئل ابن عباس عن رجل يصوم النهار ويقوم
الليل، ولا يشهد جمعة ولا جماعة؟ قال: هو في النار"
قال الترمذي – رحمه الله-: "ومعنى الحديث: أن لا يشهد الجماعة
والجمعة رغبة عنها، واستخفافاً بحقها، وتهاوناً بها.

فوائد صلاة الجماعة: صلاة الجماعة فيها فوائد كثيرة، ومصالح عظيمة، ومنافع متعددة
شرعت من أجلها، وهذا يدل على أن الحكمة تقتضي أن صلاة
الجماعة فرض عين، ومن هذه الفوائد والحكم التي شرعت من
أجلها ما يأتي:

1- شرع الله – عز وجل- لهذه الأمة الاجتماع في أوقات معلومة،
منها ما هو في اليوم والليلة كالصلوات الخمس، ومنها ما هو في
الأسبوع وهو صلاة الجمعة، ومنها ما هو في السنة متكرراً وهو
صلاة العيدين لجماعة كل بلد، ومنها ما هو عامٌّ في السنة وهو
الوقوف بعرفة؛ لأجل التواصل وهو الإحسان، والعطف،
والرعاية؛ ولأجل نظافة القلوب، والدعوة إلى الله – عز وجل-
بالقول والعمل.

2- التعبد لله تعالى بهذا الاجتماع؛ طلباً للثواب وخوفاً من عقاب الله
ورغبة فيما عنده.

3- التوادد، وهو التحاب؛ لأجل معرفة أحوال بعضهم لبعض،
فيقومون بعيادة المرضى، وتشييع الموتى، وإغاثة الملهوفين،
وإعانة المحتاجين؛ ولأن ملاقاة الناس بعضهم لبعض توجب
المحبة، والألفة.

4- التعارف؛ لأن الناس إذا صلى بعضهم مع بعض حصل
التعارف، وقد يحصل من التعارف معرفة بعض الأقرباء فتحصل
صلته بقدر قرابته، وقد يعرف الغريب عن بلده فيقوم الناس بحقه.

5- إظهار شعيرة من أعظم شعائر الإسلام؛ لأن الناس لو صلوا
كلهم في بيوتهم ما عرف أن هنالك صلاة.

6- إظهار عز المسلمين، وذلك إذا دخلوا المساجد ثم خرجوا
جميعاً، وهذا فيه إغاظة لأهل النفاق والكافرين، وفيه البعد عن
التشبه بهم والبعد عن سبيلهم.

7- تعليم الجاهل؛ لأن كثيراً من الناس يستفيد مما شرع في الصلاة
بواسطة صلاة الجماعة، ويسمع القراءة في الجهرية فيستفيد
ويتعلم، ويسمع أذكار أدبار الصلوات فيحفظها، ويقتدي بالإمام
ومن بجانبه وأمامه فيتعلم أحكام صلاته، ويتعلم الجاهل من العالم.

8- تشجيع المتخلف عن الجماعة، والقيام بإرشاده وتوجيهه،
والتواصي بالحق والصبر عليه.

9- تعويد الأمة الإسلامية على الاجتماع وعدم التفرق؛ فإن الأمة
مجتمعة على طاعة ولي الأمر، وهذه الصلاة في الجماعة ولاية
صغرى؛ لأنهم يقتدون بإمام واحد يتابعونه تماماً، فهي تشكل
النظرة العامة للإسلام.

10- تعويد الإنسان ضبط النفس؛ لأنه إذا اعتاد على متابعة الإمام
متابعة دقيقة، لا يكبر قبله، ولا يتقدم ولا يتأخر كثيراً، ولا يوافقه
بل يتابعه تعود على ضبط النفس.

11- استشعار المسلم وقوفه في صف الجهاد كما قال الله تعالى :
{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ}
سورة الصف، الآية: 4. فهؤلاء الذين صاروا صفّاً في الجهاد
لا شك أنهم إذا تعودوا ذلك في الصلوات الخمس سوف يكون ذلك
وسيلة إلى ائتمامهم بقائدهم في صف الجهاد، فلا يتقدمون ولا
يتأخرون عن أوامره.

12- شعور المسلمين بالمساواة، وتحطيم الفوارق الاجتماعية؛
لأنهم يجتمعون في المسجد: أغنى الناس بجنب أفقر الناس، والأمير
إلى جنب المأمور، والحاكم إلى جنب المحكوم، والصغير إلى جنب
الكبير، وهكذا، فيشعر الناس بأنهم سواء، فتحصل بذلك الألفة؛
ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمساواة الصفوف حتى قال:
( ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ) رواه مسلم

13- تفقد أحوال الفقراء، والمرضى، والمتهاونين بالصلاة؛ فإن
الناس إذا رأوا الإنسان يلبس ثياباً بالية وتبدو عليه علامات الجوع
رحموه، وأحسنوا إليه، وإذا تخلف بعضهم عن الجماعة عرفوا أنه
كان مريضاً، أو عاصياً فينصحوه فيحصل التعاون على البر
والتقوى، والتواصي بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

14- استشعار آخر هذه الأمة بما كان عليه أولها؛ لأن الصحابة
كانوا يقتدون بالرسول صلى الله عليه وسلم فيستشعر الإمام أنه في
مقام الرسول صلى الله عليه وسلم ويستشعر المأموم أنه في مقام
الصحابة – رضي الله عنهم- وهذا يعطي الأمة الحرص على
الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

15- اجتماع المسلمين في المسجد راغبين فيما عند الله من أسباب
نزول البركات.

16- يزيد نشاط المسلم فيزيد عمله عندما يشاهد أهل النشاط في
العبادة، وهذا فيه فائدة عظيمة.

17- تضاعف الحسنات ويعظم الثواب.

18- الدعوة إلى الله – عز وجل- بالقول والعمل، إلى غير ذلك من
الفوائد الكثيرة .

19- اجتماع المسلمين في أوقات معينة يربيهم على المحافظة على
الأوقات.

فضل صلاة الجماعة:
1- صلاة الجماعة بسبع وعشرين صلاة فرادى، فالمصلي مع
جماعة يحصل له من صلاة الجماعة مثل أجر صلاة المنفرد سبع
وعشرين مرة؛ لحديث عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما- أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الجماعة تفضل صلاة
الفذ بسبع وعشرين درجة ) ولفظ مسلم: ( صلاة الجماعة أفضل
من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة ) . وفي لفظ له: ”صلاة الرجل
في جماعة تزيد على صلاته وحده سبعاً وعشرين“متفق عليه.
وعن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه- أنه سمع النبي صلى الله
عليه وسلم يقول: ( الجماعة تفضل صلاة الفذِّ بخمس وعشرين
درجة ) رواه البخاري. وعن أبي هريرة – رضي الله عنه- عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( تفضل صلاة في الجميع على
صلاة الرجل وحده خمساً وعشرين درجة ). قال: ”وتجتمع ملائكة
الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر“. قال أبو هريرة: "واقرأوا
إن شئتم {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا}. وفي لفظ:
”بخمس وعشرين جزءًا"والجزء والدرجة بمعنى واحد.

الركب المهاجر
28 Feb 2007, 09:02 PM
وقد جُمع بين هذه الروايات: بأن حديث الخمس والعشرين ذكر فيه
الفضل الذي بين صلاة المنفرد والصلاة في الجماعة، والفضل
خمس وعشرون، وحديث السبع والعشرين ذكر فيه صلاته منفرداً
وصلاته في الجماعة، والفضل بينهما، فصار المجموع سبعاً
وعشرين. وقال الإمام النووي – رحمه الله-: "والجمع بينها من
ثلاثة أوجه:

أحدها: أنه لا منافاة بينها فذكر القليل لا ينفي الكثير، ومفهوم العدد
باطل عند الأصوليين.

والثاني: أن يكون أخبر أولاً بالقليل، ثم أعلمه الله تعالى بزيادة
الفضل فأخبر بها.

والثالث: أنه يختلف باختلاف أحوال المصلين والصلاة: فيكون
لبعضهم خمس وعشرون، ولبعضهم سبع وعشرون، بحسب كمال
الصلاة، ومحافظته على هيئتها، وخشوعها، وكثرة جماعتها،
وفضلهم وشرف البقعة، ونحو ذلك فهذه هي الأجوبة المعتمدة".
وسمعت سماحة الإمام شيخنا عبد العزيز بن عبد الله ابن باز –
رحمه الله- يقول: "وأما التفاوت فهذا والله أعلم كان لعدم نزول
فضل الزائد إلا بعد الناقص، فأخبر بخمس وعشرين، ثم أخبر بسبع
وعشرين""

وقد استدل القائلون بأن صلاة الجماعة غير واجبة بهذه الأحاديث،
وأن صيغة أفضل تدل على الاشتراك في أصل الفضل ... وسمعت
الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز – رحمه الله- يقول: "هذه
الأحاديث تدل على فضل الجماعة، وهذا التفضيل لا يلزم منه عدم
الوجوب، فصلاة الجماعة واجبة، ومفضلة، فلا منافاة بين التفضيل
والوجوب، ومن لم يصلِّها مع الجماعة فصلاته صحيحة على
الراجح، مع الإثم"

والمنفرد الذي لا يحصل على ثواب صلاة الجماعة هو غير
المعذور والله أعلم، أما إذا كان من عادته أنه يصلي الصلاة مع
الجماعة فمنعه عذرٌ: كمرضٍ أو سفر، أو حبس وتعذرت عليه
الجماعة، والله يعلم أن من نيته لو قدر على الصلاة مع الجماعة لما
تركها، فهذا يكمل له أجره؛ لأن من كان عازماً على الفعل عزماً
جازماً، وفعل ما يقدر عليه منه كان بمنزلة الفاعل؛ لحديث أبي
بردة – رضي الله عنه- عن أبي موسى – رضي الله عنه- قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا مرض العبد أو سافر كتب
له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً ) البخاري.

2- يعصم الله بالصلاة مع الجماعة من الشيطان؛ لحديث معاذ بن
جبل – رضي الله عنه- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن
الشيطان ذئب للإنسان كذئب الغنم، يأخذ الشاة القاصية، والناحية،
وإياكم والشعاب، وعليكم بالجماعة، والعامة ) أخرجه أحمد في
المسند ؛ ولحديث أبي الدرداء – رضي الله عنه- قال: سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من ثلاثة في قرية ولا
بدوٍ لا تقام فيهم الصلاة، إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليكم
بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية ) ابوداود ، والنسائي.

3- يزيد فضل الصلاة مع الجماعة بزيادة عدد المصلين؛ لحديث
أبيّ بن كعب – رضي الله عنه-، وفيه: ”...إن صلاة الرجل مع
الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من
صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله عز وجل“. وهذا
يرغب في الصلاة مع الجماعة الكثيرة مع أمن المفاسد، وعدم
فوات المصالح.

4- براءة من النار وبراءة من النفاق لمن صلَّى لله أربعين يوماً في
جماعة يدرك تكبيرة الإحرام؛ لحديث أنس – رضي الله عنه- قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صلى لله أربعين يوماً في
جماعة يدرك التكبيرة الأولى كُتِبَ له براءتان: براءة من النار،
وبراءة من النفاق ) رواه الترمذي وحسنه الالباني.

وهذا فيه فضل الإخلاص في الصلاة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم
: ”من صلى لله“ أي خالصاً لله تعالى، ”براءة من النفاق النار“ أي
نجاة وخلاص منها، وكتب له ”براءة من النفاق“ أي يؤمنه في
الدنيا أن يعمل عمل المنافق ويوفقه لعمل أهل الإخلاص، وفي
الآخرة يؤمنه مما يعذبه المنافق، ويشهد له بأنه غير منافق، يعني
بأن المنافقين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى" وحال هذا
بخلافهم.

5- من صلى الصبح في جماعة فهو في ضمان الله وأمانه حتى
يمسي؛ لحديث جندب بن عبد الله – رضي الله عنه- قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صلى الصبح فهو في ذمة
الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء؛ فإنه من يطلبه من ذمته بشيء
يدركه ثم يكبه على وجهه في نار جهنم )رواه مسلم

وهذا يؤكد أن من صلى الصبح فهو في أمان الله، وفي جواره، فهو
قد استجار بالله تعالى، والله قد أجاره، فلا ينبغي لأحد أن يتعرض
له بضر أو أذى، فمن فعل ذلك فالله يطلبه بحقه، ومن يطلبه لم يجد
مفرّاً ولا ملجأ، وهذا وعيد شديد لمن يتعرض للمصلين، وترغيب
في حضور صلاة الصبح..وقد جاءت بعض الأخبار تقيد ذلك
بصلاة الصبح مع الجماعة.

6- من صلى الفجر في جماعة ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس
فله أجر حجة وعمرة؛ لحديث أنس – رضي الله عنه- قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من صلى الفجر في جماعة، ثم
قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر
حجة وعمرة: تامة، تامة، تامة ) رواه الترمذي وحسنه الالباني .

7- عظم ثواب صلاة العشاء والصبح في جماعة؛ لحديث عثمان
بن عفان – رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول : (من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل،
ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله ) رواه مسلم.
قيل: المراد بذلك من صلى الصبح في جماعة وقد صلى العشاء في
جماعة فكأنما صلى الليل كله، ويد على ذلك لفظ أبي داود : ( من
صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى العشاء
والفجر في جماعة كان كقيام ليلة“) صحيح سنن أبي داود. واختار
هذا المنذري، وأن اجتماعهما كقيام ليلة.
وقيل: المراد بذلك أن من صلى العشاء في جماعة كانت له كقيام
نصف ليلة، أما من صلى الصبح في جماعة فتكون له كقيام الليل
كله، وهذا فضل الله – عز وجل-. وأيد ذلك الإمام ابن خزيمة –
رحمه الله- فقال: "باب فضل صلاة العشاء والفجر في الجماعة،
والبيان أن صلاة الفجر في الجماعة أفضل من صلاة العشاء في
الجماعة، وأن فضلها في الجماعة ضعفي فضل العشاء في
الجماعة"، ثم ساق الحديث بنحو لفظ مسلم، وفضل الله عز وجل
واسع. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة الصبح والعشاء: )
ولو يعلمون ما فيهما لأتوها ولو حبواً ( متفق عليه )

للموضوع بقية

الركب المهاجر
01 Mar 2007, 05:18 PM
8- اجتماع ملائكة الليل والنهار في صلاة الفجر والعصر؛ لحديث
أبي هريرة – رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال : ( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في
صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم
ربهم وهو أعلم بهم، كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهو
يصلون، وأتيناهم وهو يصلون ) متفق عليه. قال الإمام النووي –
رحمه الله-: "ومعنى يتعاقبون: تأتي طائفة بعد طائفة، ومنه تعقب
الجيوش، وهو أن يذهب إلى ثغر قوم ويجيء آخرون، وأما
اجتماعهم في الفجر والعصر فهو من لطف الله تعالى بعباده
المؤمنين، وتكرمته لهم أن جعل اجتماع الملائكة عندهم، ومفارقتهم
لهم في أوقات عباداتهم واجتماعهم على طاعة ربهم، فيكون
شهادتهم لهم بما شاهدوه من الخير"..والأظهر وهو قول الأكثرين
أن هؤلاء الملائكة هم الحفظة الكتّاب، وقيل: يحتمل أن يكونوا من
جملة الملائكة بجملة الناس غير الحفظة. والله أعلم.

والأظهر وهو قول الأكثرين أن هؤلاء الملائكة هم الحفظة الكتّاب،
وقيل: يحتمل أن يكونوا من جملة الملائكة بجملة الناس غير
الحفظة. والله أعلم شرح النووي على صحيح مسلم .

وعن جرير بن عبد الله – رضي الله عنه- قال: كنا جلوساً عند
رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: ”
إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامُون في رؤيته، فإن
استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها
فافعلوا“ يعني الفجر والعصر، ثم قرأ جرير{وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ
قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} متفق عليه

وقد ثبت الفضل العظيم لمن حافظ على صلاة الفجر والعصر مع
الجماعة، فعن أبي بكر بن عمارة بن رؤيبة عن أبيه قال: سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( لن يلج النار أحد صلى قبل
طلوع الشمس وقبل غروبها يعني الفجر والعصر )رواه مسلم.

وعنه – رضي الله عنه-: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
من صلى البردين دخل الجنة ، وهما: الصبح والعصر متفق عليه.

وقد جاء الوعيد الشديد لمن ترك صلاة العصر، أو فاتته، فعن
بريدة – رضي الله عنه- أنه قال لأصحابه في يوم ذي غيم: (بكِّروا
بصلاة العصر؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ”من ترك
صلاة العصر فقد حبط عمله )البخاري .

وعن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: ( الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وُتِرَ أهلُهُ وماله )
متفق عليه.

ذكر الإمام القرطبي – رحمه الله-: أن قوله "وُتِرَ أهلُه ومالُه" روي
بالرفع على أن المعنى: نُزع وأُخذ، وروي بالنصب "أهلَه ومالَه"
على أن المعنى: سُلب، وقيل في تفسير الحديث: هذا يحصل لمن لم
يصلها في الوقت المختار، وقيل: هو أن يؤخرها إلى أن تصفر
الشمس. وقيل: خصت العصر بالذكر؛ لكونها مشهودة للملائكة،
وعلى هذا يشاركها في ذلك الصبح. وقيل: خصت صلاة العصر
بالذكر؛ لأنها صلاة تأتي في انشغال الناس، وعلى هذا فالصبح
أولى بذلك؛ لأنها تأتي وقت النوم. أما قوله صلى الله عليه وسلم:
”من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله“ فليس ذلك خاصاً بالعصر،
بل ذلك حكم غيرها من الصلوات كذلك.

9- يعجب الله تعالى من الصلاة في الجماعة؛ لمحبته لها سبحانه،
فعن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الله ليعجب من الصلاة في
الجميع“) رواه أحمد بإسناد حسن. وهذا العجب يليق بالله تعالى،
ولا يشبه فيه أحداً من خلقه؛ لأن عجبه سبحانه ليس كعجب خلقه
{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} سورة الشورى الآية:11

10- منتظر الصلاة مع الجماعة في صلاة، قبل الصلاة وبعدها
مادام في مصلاه؛ لحديث أبي هريرة – رضي الله عنه- أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يزال العبد في صلاة ما كان في
مصلاه ينتظر الصلاة، وتقول الملائكة: اللهم اغفر له، اللهم
ارحمه، حتى ينصرف أو يُحدِث“. قلت: ما يحدث؟ قال: ”يفسو أو
يضرط“). وفي لفظ لمسلم: ( ”والملائكة يصلون على أحدكم مادام في
مجلسه الذي صلَّى فيه يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم
تب عليه، ما لم يؤذ ما لم يحدث“) متفق عليه. وقوله: "ما لم يؤذ"
أي ما لم يصدر عنه ما يتأذى به بنو آدم والملائكة، والله أعلم.

11- الملائكة يدعون لمن صلى مع الجماعة قبل الصلاة وبعدها
مادام في مصلاه، ما لم يحدث أو يؤذ؛ لحديث أبي هريرة – رضي
الله عنه- وفيه: ”لا يزال العبد في صلاة ما كان في مصلاه ينتظر
الصلاة، وتقول الملائكة: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، حتى
ينصرف أو يحدث..“ وفي مسلم: ”والملائكة يصلون على أحدكم
ما دام في مجلسه الذي صلى فيه، يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر
له، اللهم تب عليه، ما لم يؤذِ ما لم يحدث.

وسمعت سماحة شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز –
رحمه الله- يقول: "والملائكة تصلي عليه في مصلاه، قبل الصلاة
في المسجد، وبعدها مادام في مصلاه، ما لم يؤذِ بغيبة أو نميمة، أو
كلام باطل، وما لم يحدث.

12- فضل الصف الأول وميامن الصفوف في صلاة الجماعة،
وفضل وصلها، ثبت في ذلك فضائل كثيرة منها ما يأتي:

الفضل الأول: القرعة على الصف الأول وأنه مثل صف الملائكة؛
لحديث أبي هريرة – رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: ”لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا
إلا أن يستهموا عليه لاستهموا....وفي رواية لمسلم: ”لو تعلمون أو
يعلمون ما في الصف المقدم، لكانت القرعة“
وقد ثبت أن الصف الأول على مثل صف الملائكة؛ لحديث أبيّ بن
كعب – رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: ”...
وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو علمتم ما فيه
لابتدرتموه“ الحديث حسنه الالباني في صحيح سنن أبي داود .

قال الشيخ أحمد البنا في شرح قوله صلى الله عليه وسلم: ”على
مثل صف الملائكة...“ "أي في القرب من الله – عز وجل-، ونزول الرحمة،
وإتمامه واعتداله، ويستفاد منه أن الملائكة يصفون لعبادة الله تعالى،
وقد جاء ذلك صريحاً عن جابر – رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى
الله عليه وسلم فقال: ( ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟“ فقلنا يا رسول الله،
وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتمون الصفوف الأوَلَ ويتراصون
في الصف ) مسلم .

الفضل الثاني: الصف الأول خير من الصفوف؛ لحديث أبي هريرة
– رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( خير
صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها
وشرها أولها) مسلم.

قال الإمام النووي – رحمه الله-: "أما صفوف الرجال فهي على
عمومها، فخيرها أولها أبداً، وشرها آخرها أبداً، أما صفوف النساء
فالمراد بالحديث صفوف النساء اللواتي يصلين مع الرجال، وأما
إذا صلين متميزات لا مع الرجال فهن كالرجال، خير صفوفهن
أولها، وشرها آخرها، والمراد بشر الصفوف في الرجال والنساء
أقلها ثواباً وفضلاً، وأبعدها من مطلوب الشرع، وخير بعكسه،
وإنما فضل آخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال، لبعدهن
من مخالطة الرجال، ورؤيتهم وتعلق القلب بهم عند رؤية
حركاتهم، وسماع كلامهم، ونحو ذلك، وذم أول صفوفهن لعكس
ذلك، والله أعلم".

الفضل الثالث: الله تعالى وملائكته يصلون على الصفوف الأول،
والصف المقدم أكثرها صلاة؛ لحديث أبي أمامة – رضي الله عنه-
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله وملائكته يصلون
على الصف الأول ، قالوا: يا رسول الله، وعلى الثاني؟ قال: إن
الله وملائكته يصلون على الصف الأول، قالوا: يا رسول الله
وعلى الثاني؟ قال: وعلى الثاني ) رواه أحمد والطبراني في
الكبير، ورجال أحمد موثقون" وحسنه الألباني في صحيح الترغيب
والترهيب، 1/197.

وصلاة الله تعالى: ثناؤه عليهم عند الملائكة، وصلاة الملائكة
والنبي صلى الله عليه وسلم، وسائر الناس: الدعاء والاستغفار.

وعن النعمان بن بشير – رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن الله عز وجل وملائكته يصلون
على الصف الأول، أو الصفوف الأولى“) رواه سلم.

وعن البراء بن عازب – رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه كان يقول: ( إن الله وملائكته يصلون على الصفوف
المتقدمة ) صحيح النسائي .

الفضل الرابع: النبي صلى الله عليه وسلم صلى على الصف الأول
ثلاثاً، وعلى الثاني مرة واحدة، لحديث العرباض بن سارية –
رضي الله عنه- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان يصلي
على الصف الأول ثلاثاً، وعلى الثاني واحدة". ولفظ ابن ماجه:
"كان يستغفر للصف المقدم ثلاثاً، والثاني مرة.

الفضل الخامس: صلاة الله تعالى وملائكته على ميامين الصفوف؛
لحديث عائشة – رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ( إن الله وملائكته يصلون على ميامين الصفوف )
رواه أبو داود وابن ماجه بإسناد حسن ، وعن البراء بن عازب –
رضي الله عنه- قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه
وسلم أحببنا أن نكون عن يمينه يقبل علينا بوجهه، قال: فسمعته
يقول : ( رب قني عذابك يوم تبعث أو تجمع عبادك ) مسلم.

الفضل السادس: من وصل صفّاً وصله الله وعليه صلاة الله تعالى
وملائكته؛ لحديث عائشة – رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : (إن الله وملائكته يصلون على الذين يَصِلُون
الصفوف، ومن سد فرجة رفعه الله بها درجة) ابن ماجه ، واحمد

وعن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: ( من وصل صفّاً وصله الله، ومن قطع صفّاً قطعه
الله عز وجل ) النسائي.

13- مغفرة الله وحبته لمن وافق تأمينه تأمين الملائكة؛ لحديث أبي
هريرة - رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (
إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما
تقدم من ذنبه“) متفق عليه ؛ ولحديثه الآخر – رضي الله عنه- أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (”إذا قال الإمام: غير
المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين؛ فإنه من وافق قوله
قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ) متفق عليه ؛ ولحديث
أبي موسى الأشعري – رضي الله عنه- وفيه: (إن رسول الله صلى
الله عليه وسلم خطبنا فبين لنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا، فقال: ”إذا
صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا
قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين يحبكم الله )
رواه مسلم

الله أكبر ما أعظم هذا الثواب: مغفرة ما تقدم من الذنوب، ومحبة
الله تعالى، لمن وافق تأمينه تأمين الملائكة!

الموضوع بأكمله منقول