المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أثر القرآن الكريم في العربية


أم هشام
07 Nov 2006, 11:03 PM
أثر القرآن الكريم في العربية
بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، أما بعد: فنتابع محاضرات فقه اللغة.

مظاهر أثر القرآن الكريم في اللغة العربية -بقاء اللغة

لقد نشأت الدراسات اللغوية العربية بفروعها المختلفة متعلقة بالقرآن الكريم كتاب الله العزيز، فكأن القرآن هو المحور الذي دارت حوله تلك الدراسات المختلفة سواءٌ منها تلك الدراسات التي تتعلق تعلقاً مباشراً بتفسير القرآن الكريم، وتوضيح آياته وتبيين معناه، واستنباط أحكام الشريعة منه، أو تلك التي تخدم هذه الأغراض جميعها بالبحث في الدلالة اللفظية واشتقاق الصيغ الصرفية، وتركيب الجمل نحوياً، والأسلوب والصور الكلامية واختلافها باختلاف المقام، حتى تلك الدراسات التي تتعلق بالرسم الإملائي، والفلك والرياضة، وإستكناه أسرار الطبيعة، كل هذه الدراسات قامت أساساً بخدمة الدين الإسلامي ولغرض فهم القرآن الكريم مصدر التشريع الإسلامي ودستور المسلمين.
لقد اتصل الدين باللغة اتصالاً وثيقاً في العصور الإسلامية كلها، وكان الباعث على اهتمام علماء اللغة بجمع الشواهد اللغوية وتقعيد اللغة باعثاً دينياً هو ضبط نصوص القرآن الكريم، وتعليم الطلاب لغة القرآن، وجرت مناهج التعليم منذ أقدم العصور الإسلامية على المزج بين المعارف الدينية واللغوية، في الكتاتيب والمساجد والمجتمعات، ثم في المدارس المنظمة فيما بعد، ومن ثمّ كان اللغوي غالباً رجل دين، ولا ترى عالماً من علماء اللغة القدامى إلا كان مقرءاً، أو مفسراً، أو محدثاً، أو متكلماً، أو فقيهاً.
ولقد كان هذا الأمر واضحاً في نظر كثير من المستشرقين ففي رأي "نول ديكّا" مثلاً أن العربية لم تصر لغة عالمية حقاً إلا بسبب القرآن والإسلام، إذ تحت قيادة قريش فتح البدو سكان الصحراء نصف العالم لهم وللإيمان، و بهذا صارت العربية لغة مقدسة كذلك، فأجهد العلماء أنفسهم في دراستها واستكناه أسرارها ليقفوا على مواطن الإعجاز في كتاب الله العزيز.


يتبع

أم هشام
07 Nov 2006, 11:06 PM
وقد عرفنا من قبل أن القرآن الكريم نزل بلغة فصحى تعلو عن مستوى العامة من العرب ولذلك أخذ الناس في الصدر الأول للإسلام يسألون كبار الصحابة عن تفسير آياته وغريب ألفاظه، وتحدثنا الروايات الإسلامية بأن الصحابي المشهور "عبد الله ابن عباس" -رضي الله عنه- كان يُسأل عن معنى ألفاظ معينة من القرآن الكريم فيفسرها للناس، ويستشهد على تفسيرها بأبيات من الشعر العربي، وقد جُمعت هذه الأسئلة وإجاباتها في كتاب مستقل عرفت باسم سؤالات "نافع ابن الأزرق" إلى عبد الله ابن عباس، نشره الدكتور "إبراهيم السامرائي" ببغداد، كما ذكرها السيوطي في النوع السادس والثلاثين من كتابه "الإتقان في علوم القرآن"، ويبدأ الكتاب بالعبارات الآتية: "بينا عبد الله ابن عباس جالس بفناء الكعبة إذ الناس قد اكتنفوه من كل ناحية يسألونه عن تفسير القرآن، وعن الحلال والحرام، وإذا هو لا يتعايى بشيء يسألونه عنه، فقال نافع ابن الأزرق لنجدة ابن عويمر: "قم بنا إلى هذا الذي يجترئ على تفسير القرآن والفُتيا بما لا علم به" فقاما إليه، فقالا: "نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب الله عز وجل فتفسره لنا وتأتينا بمصداقه من كلام العرب، فإن الله عز وجل إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين" قال ابن عباس: "سلاني عما بدا لكما تجدا علمه عندي حاضراً إن شاء الله تعالى" فقالا: "يا ابن عباس أخبرنا عن قول الله عز وجل: {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ}" قال: "{عِزِينَ} حلق الرفاق"، قالا: "وهل تعرف العرب ذلك" قال: "نعم، أما سمعت عُبيد ابن الأبرص وهو يقول:
فجاءوا يهرعون إليه حتى يكونوا حول منبره عزينا
قال نافع: "يا ابن عباس أخبرنا عن قول الله عز وجل: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} قال: "الوسيلة: الحاجة"، قال: "أو تعرف العرب ذلك"؟. قال: "نعم، أما سمعت عنترة العبسي وهو يقول:
إن الرجال لهم إليك وسيلة إن يأخذوك تكحلي وتخضبي
وهكذا يمضي نافع يسأل، وابن عباس يفسر ويستشهد على تفسيره ببيت من الشعر على نحو الذي أسلفنا في حوالي مائتين وخمسين موضعاً من القرآن الكريم، وبذلك يمكننا أن نعد تفسير ابن عباس للقرآن الكريم على هذا النحو نواه للمعاجم العربية، فقد بدأت الدراسة في هذا الميدان من ميادين اللغة بالبحث عن معاني الألفاظ الغريبة في القرآن الكريم، ولذلك نجد التآليف الأولى في المعاجم كانت تحتمل اسم غريب القرآن، وأقدم مؤلف يحمل هذا الاسم هو لأبي سعيد أبان ابن تغلب ابن رباح البكري المتوفى سنة إحدى وأربعين بعد المائة الأولى للهجرة (141هـ)، يقول عنه ياقوت الحموي: "وصنف كتاب الغريب في القرآن الكريم وذكر شواهد من الشعر".
وقد شعر العلماء منذ الصدر الأول للإسلام بحاجتهم إلى الشعر العربي للاستعانة به في فتح مغاليق الألفاظ والأساليب الغريبة الموجودة في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة فأكبوا عليه يروونه ويحفظونه ويدرسون أساليبه ومعانيه وما يدور فيه من ذكر لأيام العرب ووقائعهم ولولا هذا الباعث الديني لاندثر الشعر الجاهلي، ولم يصل إلينا منه شيء.
وهذا أبو حاتم الرازي يقول مصداقاً لذلك: "ولولا ما بالناس من الحاجة إلى معرفة لغة العرب والاستعانة بالشعر على العلم بغريب القرآن وأحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والصحابة والتابعين والأئمة الماضين لبطل الشعر وانقرض ذكر الشعراء، ولعفى الدهر على آثارهم ونسي الناس أيامهم".
ويقول ابن عباس: "الشعر ديوان العرب فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا معرفة ذلك منه"، كما يقول: "إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر فإن الشعر ديوان العرب"، ويقول كذلك: "إذا قرأتم شيئاً فلم تدروا ما تفسيره فالتمسوه في الشعر فإنه ديوان العرب"، ويقول أيضاً: "إذا أشكل عليكم الشيء من القرآن فأرجعوا فيه إلى الشعر فإنه ديوان العرب".
وهكذا نرى أن دراسة القرآن الكريم كانت من دواعي الاهتمام بالشعر، كما كانت أحد الأسباب التي أسهمت في نشأة المعاجم العربية.
أما إذا نظرنا إلى النحو العربي فإننا نجد أن الغيرة على القرآن الكريم وصونه من التحريف على ألسنة الأعاجم كانت السبب في وضع قواعد، وتروي لنا الأخبار أن أبا الأسود الدؤلي كان أول من وضع النحو، والله أعلم.
نعم، تروي لنا الأخبار أن أبا الأسود الدؤلي كان أول من وضع النحو وأن السبب في ذلك أنه سمع قارئاً يقرأ {أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} بكسر اللام، أي ورسولِه، فغضب لذلك وكان هذا حافزاً له على وضع مبادئ النحو كما تروي الرواية.



يتبع

أم هشام
07 Nov 2006, 11:09 PM
ويقول ابن خلدون في ذلك: "وخشي أهل العلوم منهم أن تفسد تلك الملكة رأساً، ويطول العهد بها فينغلق القرآن والحديث على الفهم، فاستنبطوا من مجار كلامهم قوانين لتلك الملكة مطردة، شبهة الكليات والقواعد، يقيسون عليها سائر أنواع الكلام". كما يقول: "فاحتيج إلى حفظ الموضوعات اللغوية بالكتابة والتدوين خشية الدروس وما ينشأ عنه من الجهل بالقرآن والحديث فشمر كثير من أئمة اللسان لذلك وأملوا فيه الدواوين".
ويقول كذلك: "وإنما وقعت العناية بلسان مضر لما فسد بمخالطتهم الأعاجم، حين استلوا على ممالك العراق والشام ومصر والمغرب، وصارت ملكته على غير الصورة التي كانت أولا فانقلب لغةً أخرى، وكان القرآن متنزلاً به والحديث النبوي منقولاً بلغته وهما أصل الدين والملة، فخُشي تناسيهما وانغلاق الأفهام عنهما بفقدان اللسان الذي تنزلا به، فاحتيج إلى تدوين أحكامه، ووضع مقاييسه، واستنباط قوانينه".
أما دراسة الأسلوب أو ما عُرف عند علماء البلاغة فيما بعد بعلوم المعاني والبيان والبديع، فتذكر المصادر العربية أن أبا عبيد معمر ابن المثنى كان من أوائل من ألف فيها، وغايته توضيح الأساليب القرآنية، يقول ياقوت الحموي: "قال أبو عبيدة: أرسل إلي الفضل بن الربيع إلى البصرة في الخروج إليه سنة ثمان وثمانين ومائة (188هـ)، فقدمت إلى بغداد واستأذنت عليه فأذن لي فدخلت عليه ثم دخل رجل في زي الكتاب له هيئة فأجلسه إلى جانبه وقال له: أتعرف هذا، قال: لا، قال: هذا أبو عبيدة علامة أهل البصرة، أقدمناه لنستفيد من علمه فدعا له الرجل وقرّظه لفعله هذا، وقال لي: إني كنت إليك مشتاقاً وقد سألت عن مسألة أفتأذن لي أن أعرّفك إياها؟ فقلت: هات، قال: قال الله عز وجل {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ} وإنما يقع الوعد والإيعاد بما عُرف مثله، وهذا لم يُعرف، فقلت: "إنما كلم الله تعالى العرب على قدر كلامهم، أما سمعت قول امرئ القيس:
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وهم لم يروا الغول قط، ولكنهم لما كان أمر الغول يهولهم أوعدوا به، فاستحسن الفضل ذلك، واستحسنه السائل وعزمت من ذلك اليوم أن أضع كتاباً في القرآن في مثل هذا وأشباهه، وما يُحتاج إليه من علمه، فلما رجعت إلى البصرة عملت كتابي الذي سميته "المجاز".
والرسم الإملائي لا شك قديم وسابق للوقت الذي أنزل فيه القرآن، غير أن العناية بالقرآن الكريم وصيانته من اللحن هي التي دعت العلماء في الصدر الأول إلى البحث عن طريقة تعصم من يتلو القرآن الكريم من الوقوع في اللحن حين القراءة من المصحف بسبب خلوه من رموز الحركات.
وتنسب الروايات الإسلامية إلى أبي الأسود الدوؤلي أنه كان أول من فكّر في وضع رموز للحركات، يُضبط بها الرسم الإملائي القرآني الذي كان يخلو من هذه الرموز، ويروى عن المبرد أنه قال:"لما وضع أبو الأسود الدؤلي النحو قال: إبغوا لي رجلاً وليكن لقناً فطُلب الرجل، فلم يوجد إلا في عبد القيس، فقال أبو الأسود: إذا رأيتني لفظت الحرف فضممت شفتي فاجعل أمام الحرف نقطة، فإذا ضممت شفتي بغنة فاجعل نقطتين، فإذا رأيتني قد فتحت شفتي فاجعل على الحرف نقطة، فإذا فتحت شفتي بغنة فاجعل نقطتين، وكان نقط الشكل هذه تُكتب بصبغ يخالف لون المداد الذي كُتبت به الحروف ونقطها، فكان ذلك يشق على الكاتب إذ كان يتحتم أن يكتب بقلمين ومدادين مختلفين حتى جاء الخليل بن أحمد فوضع الشكل الذي يُكتب به حتى الآن، يقول المبرد: "الشكل الذي في الكتب من عمل الخليل وهو مأخوذ من صور الحروف، فالضمة واو صغيرة، والصورة في أعلى الحرف لأن لا تلبس بالواو المكتوبة، والكسرة ياء تحت الحرف، والفتحة ألف مبطوحة فوق الحرف، ومع أن الخليل ابن أحمد قد وضع هذا الشكل المريح، فإن العلماء غبروا زماناً طويلاً لا يجرءون على استخدامه في ضبط النص القرآني ويفضلون عليه النقط إتباعا للسلف ويسمون ضبط الخليل شكل الشعر، وكل ذلك لصيانة القرآن عن أن يتعاوره المتعاورون بالتبديل والتغيير، يقول أبو عمرو الداني: "وترك استعمال شكل الشعر وهو الشكل الذي في الكتب الذي اخترعه الخليل في المصاحف الجامعة من الأمهات وغيرها، وترك استعمال شكل الشعر أولى وأحق اقتداءً بمن ابتدأ النقط من التابعين، وإتباعاً للأئمة السالفين".
كل هذه العلوم وغيرها مما تفرع عنها قام أساساً لخدمة الدين الإسلامي ولغرض فهم القرآن الكريم، فإذا كان القرآن يأمر بالصلاة والصيام والحج وهذه العبادات لها أوقات محددة تحكمها مسيرة الكواكب في الفلك؛ فلا بد من متابعة الاهتمامات الفلكية التي ضرب فيها العرب بسهم وافر في الجاهلية.
وإذا كان المثيرات وشرعيته في الإسلام يقتضي معرفة بالحساب، وإلماماً بالمسائل الرياضية المختلفة فلا غرو إذا وجدنا هذا العلم ضمن العلوم التي اهتم بها علماء المسلمين.
وإذا كان القرآن الكريم يحض المسلمين على النظر في الكون وآياته المتعددة فإن الاشتغال بالعلوم الطبيعية وما يتصل بها مما يزيد المسلم وعقيدته ثباتاً ورسوخاً حين يرى في كل وقت آيات الله الباهرة تنطق بعظمة الخالق وقدرته، وصدق الله تعالى حيث يقول: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ}.
وهكذا نرى أن القرآن الكريم كان محوراً لجميع الدراسات العربية التي قامت في الأساس لخدمته ومن بينها الدراسات اللغوية، ولولاه لاندثرت اللغة العربية الفصحى، وأصبحت لغة أثرية تشبه اللاتينية أو السنسكريتية، وقد صدق العلامة ابن خلدون حين قال: "تختلف لغة العرب لعهدنا مع لغة مضر إلا أن العناية بلسان مضر من أجل الشريعة حمل على ذلك الاستنباط والاستقراء، وليس عندنا لهذا العهد ما يحملنا على ذلك ويدعونا إليه".
وتكاد تنحصر مظاهر أثر القرآن في الأمور الآتية، أهمها:
الأول: بقاء اللغة هذا الأمد الطويل.
الثاني: توحد لهجاتها وزوال ما كان فيها من تناكر.
الثالث: جعلها لغة رسمية في جميع الممالك التي دخلها الإسلام.
الرابع: جعلها لغة تعليمية بعد أن كانت ملكة راسخة والله أعلم.
أولاً: بقاء اللغة:
يحدثنا التاريخ عن أمم كثيرة سادت حتى ملكت وضعفت حتى انمحت، وقد كان لتلك الأمم لغات سايرت حياتها السياسية جنباً إلى جنب، وكان مرآة تنعكس عليها صور وجودها وألوان حياتها، فرقيت برقيها وضعفت بضعفها ثم أصبحت يعرفها التاريخ كما يعرف الشيء عفت آثارها ودرست معالمه فلا يدركه الناس عن طريق وجود قائم وإنما يدركونه من طريق تاريخ متحدث، فاللغة الفينيقية مثلاً لغة أهل لبنان قديماً، واللغة الآشورية لغة أهل نينوى، واللغة المصرية وغيرها مما لسنا بسبيل حصره لا ترى لها ظلاً إلا في بطون الصحف، و أعماق القبور، طوى الزمن صفحتها ومحى آيتها على ما كان لأهلها من حضارة رائعة ومدنية بالغة، وسلطان عظيم، وذلك أن اللغة بوصفها مظهراً اجتماعياً خاضعة لقانون النشوء والارتقاء كما يقولون، فهي تقوى وتضعف، وهي ترقى وتنحط ثم هي تحيى وتموت، فإذا رقيت الأمة وانحطت، وضعفت أو قويت ظهر ذلك في لغتها جلياً وواضحاً، تخضع الأمة لغيرها من الأمم فتمتزج بهاغ ثم تفنى فيها، وتخضع اللغة وتمتزج ثم تفنى في لغتها، وقد تخضع اللغة للتغيير والتبديل من طريق آخر، غير طريق الامتزاج بأمة أخرى، كأن يهاجر فريق من الأمة إلى موضع، وآخر إلى آخر، ويرى كل من أسباب العيش ومقتضيات الحياة ما لم يكن يرى من قبل وما لا يرى غيره، فلا يسعهم إلا أن يخضعوا لأحكام البيئات الجديدة فيأخذ كل في خلق لغته، أو في خلق لغة تناسبه، وتتفق مع نوع حياته، بحكم أنه لا يجد الحرص على اللغة الأولى، وقد وجد ما يدفع به إلى هجرها والخروج عنها، من ذلك تزول اللغة الأصلية وتبقى أثراً من الآثار، وهذا ما حدث لتلك اللغات التي أشرنا إليها ولغيرها مما يعدوه المؤرخون لغات بائدة أو لغات أثرية قديمة، أما اللغة العربية فلا نستطيع أن نقول عنها ذلك، فقد بقيت إلى يومنا هذا، مرت عليها هذه القرون الكثيرة ولا نستطيع أن نقول أن سر ذلك أنها لغة المدنية، فيها كل ما تفتقر إليه الأمم في كل الأزمنة من ألفاظ ومعانٍ وأخيلة بحيث يجد الناس فيها كل ما يفتقرون إليه فهم لذلك يحرصون عليها، ويصدون عنها عوادي الزمن حتى بقيت لم يمسسها سوء، لا نستطيع أن نقول ذلك، فما نعرف لغة في الوهم بهذا المكان، ولو أن ممر استفراغ قَوِيَ بمثل هذا ما استطاع إليه سبيلاً، والواقع يكذب هذا لأنها أخذت فعلاً غيرها من اللغات في القديم والحديث، هذا إلى أنها لغة بداوة تعرف الصحراء، وما يتصل به من الناقة والبعير، والضب واليربوع، والشيخ والقيصوم، ولا نستطيع أن نقول: إنها لغة قوم اجتمع لهم من القوة والسلطان في كل الأزمنة ما يقف إلى جانب تعصبهم لها، يُرغم الناس على حفظها، ومعالجة أصولها وآدابها على نحو ما تفعل أمم الغرب في مستعمراتها اليوم، فقد رأينا نفوذ العرب أخذ يضعف في منتصف القرن الثاني الهجري، بل رأينا النفوذ الإسلامي نفسه يضعف حتى تسقط بغداد في يد التتار، وتجتاز الأمم الإسلامية كقطع الليل المظلم مسلوبة القوة، وما يشبه القوة فلا نفوذ ولا سلطان، وإذا كان لا مناص من التسليم بأنها ليست لغة مدنية على النحو الذي وصفنا، فإن العرب لم يجتمع لهم في كل الأزمنة ما يرهب الناس أو يرغبهم فيتوددون إليهم بحذف لغتهم وأن الناس أبداً إنما يعوزون الشيء ويقبلون عليه راغبين أو راهبين، علمنا أن بقاء تلك اللغة الشريفة إلى اليوم أثر من آثار القرآن الكريم، وليس الميسور تصور ذلك إلا إذا تصورنا ما للقرآن من منزلة سامية في نفوس أؤلئك الذين هداهم الله للإسلام، وخالط حبه قلوبهم لعدالة مبادئه، ووضوح تعاليمه، خالط حبه قلوبهم، فقد رآه المسلمون كما هو في الواقع دستور الإسلام، مفخرته الكبرى، فحرصوا عليه ووقفوا يبذلون في الدفاع عنه أعز ما يملكون من دم ومال، وليس ذلك لأنه جماع الخير حسب، بل لذلك ولأن الاحتفاظ به على الصورة التي أنزل عليها يحقق الحكمة من ذلك وهي بقاء هذه الصورة الرائعة آية إعجاز وبرهان، فطبيعي أن يحافظ المسلمون على ألفاظه وتراكيبه لتظل المعجزة باقية على وجه الدهر، فإن القرآن قرآن بمجموع ألفاظه ومعانيه والتعبير بتلك المعاني بألفاظ غير ألفاظه يخرجه عن الصورة التي نزل بها وأعجز البشر عليها.
وواضح أن نظر المسلمين، هذا النظر الذي هو في الواقع مقتضى من مقتضيات الإسلام، يستلزم أن ينظر هذه النظرة نفسها إلى اللغة العربية لأنها المرجع في حفظه، والسبيل إلى فهمه، وأن يعدوا كل عدوان عليها عدوناً عليهم، وكل تكريم لها وإشادة بها تكريماً له وإشادة به، ولعل هذا هو سر مهاجمة الإلحاد للغة، ومحاولة تنقصها والتشكيك في ماضيها، وعدم الامتعاض لها، والذب دونها، فلقد يرى أن هذا سبيلٌ قريب أو بعيد للنيل من القرآن الكريم.
وإذاً فإن بقاء اللغة العربية إلى اليوم وإلى ما شاء الله راجع إلى الدفاع عن القرآن لأن الدفاع عنه لكونه أصل الدين ومستقى العقيدة، يستتبع الدفاع عنها، لأنها السبيل إلى فهمه، بل لأنها السبيل إلى الإيمان بأن الإسلام دين الله وأن القرآن من عنده لا من وضع النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه.
ومعنى ذلك أن اللغة العربية كغيرها من لغات البشر خاضعة للتغير والتبدل والزوال والفناء، وأن القرآن الكريم بحكم أنه لسان الإسلام الناطق ومعجزته الباقية، هو الذي حفظها من الضياع لأنه جاء على وجه تحدى به العرب تحدياً صارخاً، فذلوا واستكانوا فحرص كل مسلم على ألفاظه احتفاظاً بالمعجزة، وتعبداً بتلاوته، ولو أنه جاء كما جاء غيره من الكتب مجرداً من الإعجاز لما كان حتماً على الناس أن يلزموا أنفسهم تعهدها والتعرف إليها، بل كانوا يأخذون ما فيه مما يصلحهم في معاشهم ومعادهم، بعد أن ينقلوه إلى لغاتهم فتضطر العربية أن تقف وحدها في معترك الحياة، فلا تزال تتطلع إلى التجديد حتى تصبح في مبدئها ونهايتها لغتين أو لغات متباينة أو تمشي إلى الموت، وتدب إلى الفناء حتى تصبح في ذمة التاريخ.

انتهى

طريق الحق
22 Nov 2006, 09:05 PM
وإذاً فإن بقاء اللغة العربية إلى اليوم وإلى ما شاء الله راجع إلى الدفاع عن القرآن لأن الدفاع عنه لكونه أصل الدين ومستقى العقيدة، يستتبع الدفاع عنها، لأنها السبيل إلى فهمه، بل لأنها السبيل إلى الإيمان بأن الإسلام دين الله وأن القرآن من عنده لا من وضع النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه

مقال طيب. كتب الله لكِ أجره

أبو مهند المصري
11 Apr 2008, 10:29 AM
مقال رائع فعلا، جزاك الله خيرا أم هشام وأحسن إليك.