أمل باوزير
07 Feb 2009, 11:58 PM
شرح كتاب الرقاق من صحيح البخاري
لفضيلة الشيخ/ عبد الكريم الخضير –حفظه الله تعالى-.
45- بَاب كيف الحشر
حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، قال حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنِابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلاَثِ طَرَائِقَ، رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلاَثَةٌ عَلَىبَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ وَيَحْشُرُبَقِيَّتَهُمُ النَّارُ، تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا، وَتَبِيتُ مَعَهُمْحَيْثُ بَاتُوا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُأَمْسَوْا)).
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَايُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلاً، قَالَ: يَا نَبِيَّاللَّهِ كَيْفَ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ؟ قَالَ: ((أَلَيْسَ الَّذِيأَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنَّ يُمْشِيَهُعَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). قَالَ قَتَادَةُ: بَلَى وَعِزَّةِرَبِّنَا.
حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌوسَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلىالله عليه وسلم يَقُولُ: ((إِنَّكُمْ مُلاَقُوا اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً مُشَاةً غُرْلاً)). قَالَ سُفْيَانُ: هَذَا مِمَّا نَعُدُّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍسَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ،عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِيَقُولُ: ((إِنَّكُمْ مُلاَقُو اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً)).
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ،حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِجُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَامَ فِينَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلميَخْطُبُ فَقَالَ: ((إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً {كَمَا بَدَأْنَاأَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ (http://javascript%3cb%3e%3c/b%3E:openquran(20,104,104))} الآيَةَ، وَإِنَّ أَوَّلَ الْخَلاَئِقِيُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْأُمَّتِي، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّأُصَيْحَابِي، فَيَقُولُ: إِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْشَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ (http://javascript%3cb%3e%3c/b%3E:openquran(4,117,117))} إِلَى قَوْلِهِ: {الْحَكِيمُ} قَالَ: فََيُقَالُ إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ)).
حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُالْحَارِثِ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِأَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليهوسلم: ((تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً))، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فََقَالَ: ((الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ)).
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ،حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْعَبْدِ اللَّهِ، قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي قُبَّةٍ فَقَالَ: ((أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، قُلْنَا:نَعَمْ، قَالَ: تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ،قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنِّيلأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْجَنَّةَ لاَيَدْخُلُهَا إِلاَّ نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَمَا أَنْتُمْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ إِلاَّ كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَحْمَرِ)).
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْسُلَيْمَانَ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّالنَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى يَوْمَ الْقِيَامَةِآدَمُ، فَتَرَاءَى ذُرِّيَّتُهُ، فَيُقَالُ: هَذَا أَبُوكُمْ آدَمُ، فَيَقُولُ:لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ جَهَنَّمَ مِنْذُرِّيَّتِكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ كَمْ أُخْرِجُ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ كُلِّمِائَةٍ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا أُخِذَمِنَّا مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، فَمَاذَا يَبْقَى مِنَّا؟ قَالَ: إِنَّ أُمَّتِي فِي الأُمَمِ كَالشَّعَرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِالأَسْوَدِ)).
يقول الإمام رحمه الله: ((باب كَيْفَ الْحَشْرُ)):
((قال حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، قال حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنِابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلاَثِطَرَائِقَ)): طرائق جمع طريق وطريقة، ((ثَلاَثِطَرَائِقَ رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ)):
1. هذه طريقة منهم من يحشر راغبا راهب، قوم يحشرون حال كونهم راغبين راهبين ويحشر.
((اثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلاَثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ)):
2. هذا الطريق الثاني: فهؤلاء الاثنان يركبان البعير في آن واحد، وقد يحتمل الثلاثة، وقد يحتمل البعير أربعة، وأما العشرة فقد لا يحتملهم البعير، إلا على سبيل الاعتقاب، يعتقبونه يركب هذا يحول، هذا أربعة على بعير وعشرة على بعير، على هذه الإبل يحشرون.
1. الطريقة الأولى: راغبين يذهبون بأنفسهم راغبين في ما عند الله عز وجل راهبين.
2. الطريقة الثانية: راكبين.
3. والطريقة الثالثة: تحشرهم النار.
إذ في آخر الزمان تخرج نار تحشر الناس إلى أرض المحشر، وأرض المحشر أين؟ في الشام.
((وَتحْشُرهمُالنَّارُ، تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا، وَتَبِيتُ مَعَهُمْحَيْثُ بَاتُوا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا)): فالمحشر في آخر الزمان في الشام، ويحشرون على هذه الطرائق الثلاث، فمنهم من يحشر بطوعه واختياره، يذهب راغبا راهبا ماشيا، ومنهم من يحشر راكبا على الصفة المشروحة، الاثنين على بعير، والثلاثة على بعير.
هذا وصف للحال التي ستكون في آخر الزمان، إذا كان راغبًا وراهبًا، وممن لا يستطيع المشي كالمقعد مثلا؛ لأن بعض الناس يتصور أن الظروف التي ستكون في آخر الزمان، أو في يوم القيامة تحاكي الظروف التي يعيشها، ولذا شخص يقول لأولاده: إذا قرب أجلي أو إذا كنت في آخر حياتي سأنتقل للجهات الشمالية يريد أن يسكن في عرعر، أو في طريف أو هذه الجهات، يقول: والله الركب لا تساعد، عجب! عجبًا لفهم الناس الغريب، أنت محشور، والله المستعان، إن أدركت ذلك الوقت أنت في مشكلة، نحن لا نتصور الناس يحشرون على هذه الطرائق الثلاث، ولا رابع لها؛ لأن الحصر جاء من قبل من لا ينطق عن الهوى، قد يقول قائل: لماذا لا تحملهم السيارات إلى هناك بدل هذه البعارين؟ لو قال: يحشرون راكبين، الطريقة الأولى:
يحشرون راغبين راهبين ماشين
والطريقة الثانية: راكبين، يحتمل أن يكون على أي وسيلة، لكن حدِّد هنا الركوب على البعير، وما يدريك، الآن الناس في آخر الزمان يعودون إلى ما كانوا عليه قبل.
((وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ)): كيف عشرة على بعير؟
إما أن يجعل في الإبل من قوة التحمل ما يجعل البعير الواحد يستطيع حمل العشرة؛ لإنفاذ ما يريده الله عز وجل.
أو على سبيل الاعتقاب يركب اثنين ثلاثة ثم ينزل اثنين ثم هكذا فيتعقبون هذا البعير.
((وَتحْشُرهمُ بقيتهم النَّارُ)): وفي رواية أبي ذر: ((تحشر بقيتهم النار)): هل يجوز أن نقول: (يحشر النار) مذكر أم مؤنث؟ النار مؤنث تأنيثًا ليس بحقيقي، وأيضا فصل بينه وبين فعله، فيجوز التذكير والتأنيث على حد سواء.
((وَتحْشُرهمُبقيتهمالنَّار ُ، تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا)): القيلولة معروفة، النوم منتصف النهار، حيث قالوا إذا تعبوا، وقالوا قالت معهم، ((وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا)): إذا ناموا بالليل كذلك.
((وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا)): المقصود أنها تسوقهم إلى تلك الأماكن، هل تسوقهم بعصا؟
لا، تسوقهم بِلَحَفِهَا وَحَرِّهَا، نعم بحرها تسوقهم، إذا شب الحريق هرعوا منها، فكيف إذا تبعتهم؟ الله المستعان.
((وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا,وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا)): هذه النار ينشئها الله جل وعلا؛ لسوق هؤلاء، تحشر هؤلاء البقية الذين لم يذهبوا بطوعهم واختيارهم تحشرهم النار.
((ثم قال حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قال حَدَّثَنَايُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ، قال حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ،حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلاً، قَالَ: يَا نَبِيَّاللَّهِ كَيْفَ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ؟))
ليس من المتصور أن الإنسان سيمشي على وجهه، ليس متصور، كيف يمشي على وجهه؟ هذه مشكلةُ كثير من الناس يرد النصوص بهذه الطريقة، بهذه الطريقة أي لا تدخل مزاجه، إن الناس سيمشون على وجوههم؛ فيرد النص، وقد فتح الباب والمجال لمثل هؤلاء يتحدثون كيف ما شاءوا، يتحدثون في النصوص القطعية لم دخلت المزاج؛ إذًا فهي ليست صحيحة، ولو كانت في أصح الكتب،
والجواب هنا: أن الذي أمشاه على رجليه قادر على أن يمشيه على وجهه، هنا القدرة الإلهية، من يتصور جلد الكافر، ناب الكافر، ضرس الكافر، ما بين منكبي الكافر، من يتصور هذا شيء، هذا الأمر لو عرضناه على عقولنا ما احتملت هذه العقول، لكن ما لنا إلا الرضا والتسليم، هذا كلام من لا ينطق عن الهوى، فلابد من التسليم ولابد أن يؤطر الناس أطرهم على التسليم، ما يترك لهم الخيار، لا يترك للسفهاء خيار يتكلمون في الصحف كيف ما شاءوا، هذا ليس معقول وبعدين ترد النصوص بهذه الطريقة يأتي من ينتسب إلى العلم والدعوة ويقول حديث: ((لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة))
يقول: ليس بصحيح، ولكن البخاري رواه، قال: ليس بصحيح الواقع يرده، قلنا: كيف قال: غاندي حكمت الهنود، وتاتشر حكمت الانجليز، جندماييز هزمت العرب[1] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftn1)
وبمثل هذه الطريقة ترد النصوص، الجواب هنا: هذا أبعد عن احتمال العقل كون الإنسان سيمشي على وجهه، لكن هل للعقل مجال مع ورود الشرع؟
يعني هل يتصور أن العقل البشري على تفاوت ما بين الناس في عقولهم تحتمل كل ما جاء عن الله عز وجل؟
يعني هل يتصور عقل بشري؟ ولذا لابد من التسليم، هل يتصور العقل البشري أن الله جل وعلا ينزل في آخر كل ليلة إلى السماء الدنيا والعرش لا يخلو منه؟ هل يتصور العقل البشري مثل هذا؟ لا يوجد، هذا دين، أنت إنسان مخلوق ضعيف، مربوب، مكلف بأن تؤمن بهذه الأمور، يعني لما نطقت البقرة قالت: ما خلقنا لهذا، والناس بين اثنين والوسط هو الحق،
إما مخرف يقول: في هذه الأيام كل شيء يتكلم، عوام الناس يتصورون أن في أول الزمن الماضي كان كل شيء يتكلم، وهم يقولون كل شيء يتكلم، وسهل تمرير مثل هذه الأمور عليهم؛ لأن غيره مرَّ.
وبين شخص يقول: ليس بمعقول بقرة تريد أن تتكلم، والذئب يتكلم.
وبين من يقول: سمعنا وأطعنا، آمنا والنبي عليه الصلاة والسلام، يقول: آمنت بهذا أنا وأبو بكر وعمر، وما كان أبو بكر وعمر حاضرين الكلام، لكن بلغا من منزلة اليقين والتصديق ما يجعله عليه الصلاة والسلام يخبر عنهما في غيبتهما.
فقَدَم الإسلام لا تثبت إلا على قنطرة التسليم، سمعنا وأطعنا، وليس معنى هذا أن الإسلام يلغي العقول بالكلية، لا هناك الكثير من أمور الشرع مدركة بالعقل، ومعللة ومبنية على المصالح والمفاسد، لكن يبقى هنا قدر يختبر فيه المكلف، ولذا وجد في النصوص المتشابه، هذا الذي لا يمكن أن يعرفه أحد، يُختبر فيه الناس، فمن الناس:
من يرده ويتبعه فيرده.
أو يتبَعه ليضرب به نص آخر هؤلاء الذين في قلوبهم مرض زيغ.
أما الراسخون في العلم يقولون: آمنا.
لابد أن تصل إلى هذه المرحلة، ولذا من الخطأ الفادح أن توجد مناظرات بين أهل الحق والباطل تنشر على عامة الناس، عقول عوام الناس لا يدركون مثل هذه الأمور، تعلق الشبه ثم بعد ذلك من ينزع الشبه، والآن عوام الناس يطِّلعون على مثل هذه الأمور في القنوات، وتلقى الشبه عليهم، لكن من ينزع هذه الشبه من قلوبهم، فلا بد من الرضا والتسليم، لابد منها، ولابد أن يربى الناس على هذا، آمنا بالله وبما جاء عن الله على مراد الله عز وجل، الذي نفهمه؛ نفهمه، ولا نكلف إلا ما نطيق، والذي لا نفهمه نرضى ونسلم، أما ألئك المفتونون الذين يعرضون ما جاء في النصوص على عقولهم، هؤلاء عندهم من الخلل بقدر ما ردوه من هذه النصوص:
إذا تضمن الرد من غير تأويل لنص ثبت بالقطع هؤلاء يخرجون من الدين؛ هذا كفر، نسأل الله العافية.
إذا تضمن الرد بتأويل سائغ، ومقبول، ولو كان مرجوح لا يصل إلى هذا الحد، لكنه خطر.
فما جاء في مثل هذا النص: كيف يحشر الناس على وجوههم؟ يعني غير متصور أبدًا أن الشخص سيمشي على وجهه؟ الجواب البلسم الشافي لمثل هذه الشبه في مثل هذا الحديث: ((قَالَ: أَلَيْسَ الَّذِيأَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنَّ يُمْشِيَهُعَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)): قادر إن الله على كل شيء قدير، ((قَالَ قَتَادَةُ بَلَى وَعِزَّةِرَبِّنَا)): فلنحذر كل الحذر أن نتحكم في النصوص بعقولنا، وبأفهامنا، الآن الجدار ما بينك وبينه إلا شبر لا تستطيع أن تعرف ما يدور وراءه، فكيف تسرح عقلك وأفهامك وأوهامك في ما وراء ذلك؟ والله المستعان.
((ثم قال حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، قال حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌوسَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلىالله عليه وسلم يَقُولُ: إِنَّكُمْ مُلاَقُو اللَّهِ)): لا محالة، الإيمان بالبعث ركن من أركان الإيمان، {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ} [2] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftn2)، والظن هنا: بمعنى يقين، ((إِنَّكُمْ مُلاَقُو اللَّهِ حُفَاةً)): غير منتعلين، ((عُرَاةً)): غير مكتسين، ((مُشَاةً)): غير راكبين، ((غُرْلاً)): غُرْلاً ملاقو الله، لكن كم بين شخص وآخر؟ كم بين من يُحشر إلى الرحمن وفدًا وبين من –الثاني- يساق إلى جهنم؟ نسأل الله العافية، بون شاسع، لا نسبة لا يمكن أن تنسب بين ما يعد لهذا الحشر حفاة عراة هذا أول ما يبعث الناس من قبورهم، ثم بعد ذلكم:
هؤلاء يحشرون إلى الرحمن وفدا على نجم عَقِيَان.
وهؤلاء يساقون إلى جهنم وردا المجرمون نسأل الله العافية.
((حُفَاةً عُرَاةً مُشَاةًغُرْلاً)): غُرْلاً الغرل: هو الأقلف الذي يُرد كل شيء إلى طبيعته، من قطع منه شيء يعاد إليه، {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ}[3] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftn3)، أصيب بغرغرينة قطعت يده، قطعت رجله تعاد إليه، إصبعه تعاد إليه، ما يقطع في الختان يعاد إليه.
((قَالَ سُفْيَانُ هَذَا مِمَّا نَعُدُّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم)): ابن عباس من صغار الصحابة، توفي النبي عليه الصلاة والسلام وهو يناهز الاحتلام، وروى عن النبي عليه الصلاة والسلام أحاديث كثيرة، كثيرٌ منها لم يدركه ابن عباس، فنقله عن النبي عليه الصلاة والسلام بواسطة وأسقط الواسطة، وهذا يسمى مراسيل الصحابة، ومراسيل الصحابة مقبولة، حتى نقل بعضهم الإجماع على قبولها، أما الذي أرسله الصحابي فحكمه الوصل على الصواب.
ابن عباس يختلف أهل العلم في مقدار ما سمعه من النبي عليه الصلاة والسلام مباشرة، فقال الغزالي: "أنه لم يسمع من النبي عليه الصلاة والسلام بواسطة إلا أربعة أحاديث فقط"[4] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftn4)، وهذا منها ابن عباس خالته أم المؤمنين، ويبيت عندها، ما سمع إلا أربعة أحاديث، قيل بهذا، لكنه ليس بصحيح، النبي عليه الصلاة والسلام كان يخص ابن عباس بأمور؛ لقربه وذكائه وألمعيته، قربه في النسب، قربه في المصاهرة، يبيت عنده، فيخصه بأشياء، ويأتي من يأتي ويقول من يقول أن ابن عباس لم يسمع من النبي عليه الصلاة والسلام إلا أربعة أحاديث، ابن حجر يقول: "جمعت مما صرح ابن عباس بسماعه من النبي عليه الصلاة والسلام مما صح أو حسن فزادت على الأربعين"، نعم فزاد على الأربعين الداخل في حيز القبول، هذا مما صرح به ابن عباس في السماع من النبي عليه الصلاة والسلام، ويأتي من يأتي ويقول: أن ابن عباس ما سمع إلا أربعة أحاديث، نعم هذا الحديث مما سمعه من النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، وابن عباس صغير فاته أشياء كثيرة، ومع ذلكم روى عن النبي عليه الصلاة والسلام أحاديث كثيرة، وقد تكون روايته لها بالواسطة، بواسطة أحد الصحابة، يروي عن صحابي عن النبي عليه الصلاة والسلام، ويسقط الواسطة والواسطة صحابي، عدد لا إشكال فيه، ولذا مرسل الصحابي حكمه الموصول عند عامة أهل العلم.
((حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قال حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِيَقُولُ " إِنَّكُمْ مُلاَقُو اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً))
يأتي في كلام عائشة كيف أن الناس يحشرون عراة؟ كيف يتصور الرجل أمامه امرأة عارية أو العكس؟ والجواب: أن الأمر أعظم من ذلك، هل يتصور الشخص يرسل النظر إلى امرأة متبرجة مثلا وفجأة يخرج عليه أسد مثلا مفترس يتناسى الأسد وينظر؟ نعم قد يسارق النظر إذا كان الأمر أهون من ذلك، يعني رجل هيئة شخص يهابه أو يخجل منه قد يسارق النظر، تأتي هنا خائنة الأعين، نعم لكن أسد المسألة مساومه على حياته، الأمر أعظم من ذلك، فكيف بما هو أعظم وأعظم؟؟!
((ثم قال حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قال حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ،قال حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِجُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ قَامَ فِينَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ فَقَالَ: إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ)): وفي رواية أبي ذر: ((تُحْشَورُونَ))، ((حُفَاةً عُرَاةً)): على الكمال والتمام كما ولدتم، {كَمَا بَدَأْنَاأَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ}.
((وَإِنَّ أَوَّلَ الْخَلاَئِقِيُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ)): أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام، من أولي العزم، من أعظم الأنبياء، الجمهور على أنه هو الذي يلي محمد عليه الصلاة والسلام في المكانة، فهو أول من يكسى مجازاة له, موسى عليه السلام جوزي بصعقة الطور، و إبراهيم عليه السلام أول من يكسى يوم القيامة مجازاة له؛ لأنه جُرِّد من ثيابه حينما ألقي في النار، هنا يكون الجزاء، هنا الفخر، ليس بإعطائه درع، ولا يقلد قلادة، هذا الفخر هذا الجزاء أنه أول من يكسى يوم القيامة، وليس معنى هذا أنه أفضل من نبينا، هو يكسى قبل نبينا عليه الصلاة والسلام، وليس معنى هذا أنه أفضل من نبينا عليه الصلاة والسلام، بل محمد أشرف الخلق على الإطلاق، وتقدم هذا عند الكلام على مونه أول من يكسى مجازاة له سى عليه السلام.
((وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ)): برجال من أمتي يعرفهم عليه الصلاة والسلام:
1. إما لأنهم عاصروه وهذا في حق من ارتد بعده.
2. أو لأنه عرفهم من آثار الوضوء وقد بدلوا وحرفوا.
((وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْأُمَّتِي، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي)): هذا تصغير، في رواية أبي ذر: ((أصحابي))، ((فَيَقُولُ إِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ)): النبي عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب، ما أحدثوا بعدك، ((فََأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ)): من العبد الصالح؟ عيسى عليه السلام في آخر المائدة: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ}[5] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftn5)، بعد ذلك: هل هو مسئول عنهم بعد أن يموت؟ ليس بمسئول عنهم، {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} [6] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftn6)، إلى أن قال: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [7] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftn7).
((قَالَ فَيُقَالُ إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ)): إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم، يعني هؤلاء الذين حُرِفوا عن الحوض وصرفوا عنه، وأخذ بهم ذات الشمال، هؤلاء حرفوا وبدلوا وغيروا، ابتدعوا في الدين، وارتد بعضهم عن الدين.
((ثم قال رحمه الله: حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ، قال حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُالْحَارِثِ، قال حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِأَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً)): عراة الأمر أعظم من ذلك، كما جاء الحديث، وبعض المفتونين ينادي بالاختلاط، وقد تسوِّل له نفسه الاستدلال بمثل هذا الحديث، اختلاط وعري قال: ما المانع؟ ما الذي يفرق الدنيا عن الآخرة؟ والمفتون الذي استدل بالاختلاط في المطاف؛ يستدل به في مثل هذا المكان، وهذه وظيفة إبليس، كان من أول وظائفه بعد أن أغوى آدم عليه الصلاة والسلام، وأكل من الشجرة؛ ليبدي ما وري عنهما من سوءتهما، هذه وظيفته، ولذا جاء في آخر سورة الأحزاب أن هذه وظيفة أتباع إبليس من المنافقين: {قُُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} [8] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftn8)، ثم قال بعد ذلك: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ} [9] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftn9)، هذه وظيفته، هذه وظيفة إبليس اللعين وأتباع إبليس من المنافقين، الاختلاط والعري، {قُ يأتي من يأتي من المفتونين يقول: الاختلاط مشروع في أشرف البقاع في المطاف، هل هذا الاختلاط على الوجه الذي تريدونه؟!
((تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ)): تستغرب، يعني إذا كانت المسألة ظروف عادية هذا يستغرب بلا شك، لكن الأمر أشد من أن يهمهم ذلك، نحن ضربنا مثال بسيط، المسألة مساومة على حياة وموت، وقلنا إن الذي يرسل نظره إلى امرأة متبرجة، ويخرج عليه فجأة أمر مخيف، إما عدو بآلة قاتلة، أو سبع، أو ما أشبه ذلك، الأمر أعظم من إطلاق نظر، نعم ممن وصل الخوف من الله عز وجل في قلبه إلى حد يكون أعظم من مسألة نظر، ومسألة مباشرة، صار هذا الخوف سبب؛ لأن يظله الله في ظله يوم القيامة، ((ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال،وموتاط على الوجه الذي تريدونه، فقال إني أخاف الله)) [10] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftn10)
نعم إذا زاد الأمر سواء كان في الأمور الحسية أو الأمور المعنوية، بطلت هذه الأمور،)، تبطل مفعولها، بعض الناس ممن وصل الأمر في قلبه من تقوى الله، ينظر إلى المرأة متبرجة، أو عارية، أو على أي وضع كانت، كأنها سارية؛ لأنه ربى نفسه على هذا، أما الذي ربى نفسه على النظر يمنة ويسرة، وهذه صغيرة، وهذا كذا، يفتن، وفي النهاية يقع، والسيئة تقول: أختي تجرها تجر أختها، فلا نتساهل في مثل هذه الأمور، وإن دعا إليها من دعا من المفتونين.
((فََقَالَ: الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ)).
((فقال حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قال حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ،قال حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْليسنٍ، عَنْعَبْدِ اللَّهِ، قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي قُبَّةٍفَقَالَ: أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، قُلْنَا: نَعَمْ))
ربع يعني هذه الأمة بالنسبة للأمم السابقة عددهم قليل،فإذا كانت نسبة دخولهم الجنة الربع، هذا طيب بالنسبة لعددهم، لمن تقدم من الأمم من بدء الخلق.
((فَقَالَ: أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، قُلْنَا: نَعَمْ)): هذا أطيب وكلما زادت النسبة زاد الأمل، في الجماعات والأفراد، لو قال رسول الله: أنتمي الجماعات والأفراد، نسبة زاد الأمل، من أهل الجنة ليتطاول كل واحد أنه من أهل الجنة، لو قال: أنتم ثلاث أرباع أهل الجنة، الأمل خف، لكنه موجود، ولو قال: أنكم نصف أهل الجنة، يأمل المسلم أن يكون من أهل الجنة، ولو قال: أنكم شطر أهل الجنة، الثلث فيه أمل، لكن لو كان العدد يسير، والإنسان كل إنسان يعرف وضعه، وتفريطه في جنب الله، كان الخوف أعظم، ولذا بعض الناس إذا سافر إلى البلدان ورأى ملايين من البشر على الكفر، راح للصين رأى ألف مليون، قال: أبدًا ثقوا واطمئنوا وافعلوا ما شئتم، نحن بالنسبة للصين؛ فهؤلاء كلهم في النار، يا أخي أنت ليس بمسئول، لا عن صين، ولا عن حين، أنت مسئول عن نفسك، مأمور بأوامر، ومنهي عن نواهي، مسئول عن نفسك ائتمرت وانتهيت والله أنت من أهل الجنة والوعد الصادق، وإن خالفت وارتكبت أنت مهدد بالنار، أنت لست بمسئول عن الناس الآخرين، أكثر أقل، لكن يبعث الأمل في النفس مثل هذا الحديث، أما والله يروح الأقطار، ويزاول المنكرات ويقول أبدًا نحن ما نسبتنا لهؤلاء الكفار؟ النار ستمتلئ من الصين والهند وخلائق لا يحصون، أنت ليس مسئول عنهم، كمن يقول: الحمد لله نحن بنعمة وعافية وخير والصلوات تقام والدروس والعلم والفضل والشعائر قائمة والناس، انظر يمين ويسار نحن أفضل من الناس، ما يجوز أن تقول هذا الكلام، تنظر لمن هو دونك في مثل هذا الباب انظر لمن هو فوقك، أما في أمور الدنيا انظر لمن هو دونك، انظر إلى الناس أمنين ومطمئنين ومرتاحين، والذي بيننا يتخبطهم الأعداء يمنة ويسرة، خوف وجوع، نعم هذا أدعى أن لا تزال النعمة، لكن في أمور الدين تنظر لمن هو دونك وتقول: أنا أفضل منه، هذا ليس بصحيح.
((فَقَالَ: أَتَرْضَوْنَ)): لأن في هذا الحديث ما يبعث على الترغيب والأمل، لكن في الحديث الذي بعده، الشأن في الذي يليه؛ لأننا ننظر في النصوص مجتمعة، أنتم شطر أهل الجنة، لكن كم أهل الجنة؟ أهل الجنة واحد، يا سلعة الرحمن ليس ينالها في الألف إلا واحد، من كل ألف واحد، فهذا يبعث على الأمل، وهذا يبعث على الرجاء، وجاءت النصوص بهذا وهذا، ففي النصوص ما يبعث على الأمل ويجعل الإنسان يطمئن باله ويرتاح، والأمل الذي لا يبعث على العمل هذا أمن من مكر الله، لا يجوز، كما أن الخوف الذي لا يبعث على العمل قنوط ويأس من رحمة الله، لا يجوز أيضا، لابد أن تقترن حياة المسلم بالخوف والرجاء، لكن ما معنى الخوف؟ الخوف الذي يحذوك على العمل، إذا خفت تسعى لخلاصك من هذا المخوف، إذا أمَّلت تفعل ليتحقق لك هذا المأمول المرجو.
((إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْجَنَّةَ لاَ يَدْخُلُهَا إِلاَّ نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ)): أنت لا علاقة لك، أنت واظب على الدين، فإن تخلف هذه الشرط ...، ولا أنت من أمة محمد، من أمة الدعوة، ما لم تكن من أمة الإجابة ومحقق لما أجبت له.
((وَمَا أَنْتُمْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ إِلاَّ كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ أَوْ كَالشَّعْرَةِالسَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَحْمَرِ)): التيئيس من رحمة الله ليس بوارد، كما أن الأمن من مكر الله هذا ليس بوارد، هذا محظور: {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} [11] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftn11)، الأمر عظيم، وكون أن الإنسان يقنط من رحمة الله، أو يقنط الناس، ((إذا قال هلك الناس فهو أهلكهم)) [12] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftn12)، هل ((هو أهلكَهم)) أو ((أهلكُهم))؟ كلاهما:
1. ((هو أهلكَهم)): يعني سعى في هلاكهم؛ لأنه قنطهم من رحمة الله.
2. ((أهلكُهم)): أو هو أشدهم هلاكا.
((ثم قال حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ آدَمُ، فَتَرَاءَى ذُرِّيَّتُهُ)): يدعى يوم القيامة، بآدم أبو البشر أول من ينادى، فالناس يتراءون، الكل يريد أن يراه، يتطاولون ويتراءون أبو البشر هذا، ((فَتَرَاءَى ذُرِّيَّتُهُ فَيُقَالُ: هَذَا أَبُوكُمْ آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ)): الكلام متسق، أو فيه حذف، فيقال هذا أبوكم آدم، هذا خطاب لهذه الذرية، ثم اتجه الخطاب إلى آدم، فيقال له: يا آدم فيقول لبيك وسعديك.
((فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ جَهَنَّمَ مِنْذُرِّيَّتِكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ كَمْ)): نسبتهم قال: ((أُخْرِجُ مِنْ كُلِّمِائَةٍ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ)): حال السلف بل بعضهم صرح: "أنه لو يقال إن كل الناس في الجنة إلا واحد جزمت أنه أنا هذا الواحد"، مع علمهم وعملهم، {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [13] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftn13)
لكن الآن التفريط مع الأمل، لو يقال: أهل الأرض كلهم في النار إلا واحد، قال بعض الناس: أنا، يجزم أنه هو مع سوء العمل، يعني لو نقول: أنه قام بشيء يبيض الوجه، فبون شاسع بين حال الناس اليوم مع بعد العهد وبين حال السلف، الأمة لا تخلو من الأخيار، فيها أخيار، فيها علماء، فيها عباد، فيها زهاد، لكن عامة الناس عندهم تفريط عظيم، وعندهم أمن، كأن عندهم ضمانات، يعني مع سوء العمل أمن من مكر الله، ولذا تجدون هذه الكوارث، وهذه النذر، والمثلات حلت قريبا من دارنا، ولا حركنا ساكن، أحاطت بنا الأعداء، وأحدقت بنا من كل جانب، ولا كأن شيء يعنينا، ما تغير شيء من وضعنا، إلا من يكون أسوء، كما هو الحاصل، وأمة تخرج من بلادها بقبضها وقضيبها، وتعود أسوء مما كانت عليه، وأبلغ من هذا قوله جل وعلا عن أهل النار: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا} [14] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftn14)، لا محالة وما تُغْني الآيات والنذر، إذا أراد الله شيء يسر أسبابه؛ لأنه مرَّ بنا، فتن ومحن، يعني لو الناس لزموا عبادة الله عز وجل طول بقية العمر ليس بكثير، يعني المفترض من وجود هذه الفتن التي أحدقت بنا وأجلبت علينا العدو بقبضه وقضيبه، عازم على إنهاء ما يقلقه، وانتشار الدين، وقوة شوكة المسلمين، يعني لو قلَّت نسبة المنكرات على أقل الأحوال، قلنا الأمة فيها خير إن شاء الله، فيها رجاء، لكن الحاصل العكس، زادت المنكرات ودعمت المنكرات، وحصلت الأثر على الدين وأهله، والمثُلات تحل قريبا من دارنا؛ ليقضي الله أمرا كان مفعولا، نسأل الله جل وعلا أن يلطف بنا وبإخواننا المسلمين في كل مكان.
((فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا أُخِذَ مِنَّا مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، فَمَاذَا يَبْقَى مِنَّا قَالَ: إِنَّ أُمَّتِي فِي الأُمَمِ كَالشَّعَرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِالأَسْوَدِ)):لكن ومع ذلكم، ومع هذه النصوص التي تبعث على الأمل، وتسر القلب، إلا أن الإنسان مسئول عن نفسه، لا شك أن النصوص العامة يدخل فيها، لكن هل دخوله قطعي؟ لا، لا يدخل فيها ينحرف يمين أو يسار عن نصوص الوحيين، فيكون على خطر عظيم.
ابن القيم رحمه الله تعالى عُرِف بالعلم والعمل يقول:
" والله ما خوفـي الـذنوب
وإنها لعلى سبيل العفو والغفران
لكن خوفـي أن يزيغ القلب
عن تـحكيم الوحي والقرآن"[15] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftn15)
فالذنوب تحت المشيئة، وأنت إذا لم تحكم القرآن على نفسك، فما الذي عندك من الدين؟ سمع النص يقول كذا، تقول لا سمع، ولا طاعة، لو كان بفعلك، أو بقولك، على الإنسان أن يحرص على هذا، وكون الأمة أكثر أهل الجنة أو نسبتها بالنسبة للكفار كلا شيء، كالشعرة السوداء، هذا لا يعني أنك ضمنت لك النجاة بمفردك، نعم هذه مزية وفضيلة للأمة، وتشريفا لنبيها عليه الصلاة والسلام، لكن لا يعني أنه ضمان لك على سبيل الخصوص، والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
------------------------
[1] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftnref1) (تنبيه: قصة الملكة بلقيس حيث قالت للملأ: {ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون}).
[2] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftnref2) سورة البقرة: 46.
[3] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftnref3) سورة الأنبياء: 104.
[5] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftnref5) سورة المائدة: 117.
[6] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftnref6) سورة المائدة: 117.
[7] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftnref7) سورة المائدة: 118.
[8] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftnref8) سورة الأحزاب: 59.
[9] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftnref9) سورة الأحزاب: 60.
[10] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftnref10) "صحيح البخاري" (كتاب الجماعة والإمامة/ باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد/ رقم [629] ).
[11] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftnref11) سورة الحجر: 56.
[12] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftnref12) "صحيح مسلم" (كتاب البر والصلة والآداب/ باب النهي من قول هلك الناس/ رقم [193] ).
[13] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftnref13) سورة المؤمنون: 60.
[14] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftnref14) سورة الأنعام: 28.
[15] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftnref15) ابن قيم.
لفضيلة الشيخ/ عبد الكريم الخضير –حفظه الله تعالى-.
45- بَاب كيف الحشر
حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، قال حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنِابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلاَثِ طَرَائِقَ، رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلاَثَةٌ عَلَىبَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ وَيَحْشُرُبَقِيَّتَهُمُ النَّارُ، تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا، وَتَبِيتُ مَعَهُمْحَيْثُ بَاتُوا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُأَمْسَوْا)).
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَايُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلاً، قَالَ: يَا نَبِيَّاللَّهِ كَيْفَ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ؟ قَالَ: ((أَلَيْسَ الَّذِيأَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنَّ يُمْشِيَهُعَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). قَالَ قَتَادَةُ: بَلَى وَعِزَّةِرَبِّنَا.
حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌوسَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلىالله عليه وسلم يَقُولُ: ((إِنَّكُمْ مُلاَقُوا اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً مُشَاةً غُرْلاً)). قَالَ سُفْيَانُ: هَذَا مِمَّا نَعُدُّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍسَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ،عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِيَقُولُ: ((إِنَّكُمْ مُلاَقُو اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً)).
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ،حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِجُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَامَ فِينَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلميَخْطُبُ فَقَالَ: ((إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً {كَمَا بَدَأْنَاأَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ (http://javascript%3cb%3e%3c/b%3E:openquran(20,104,104))} الآيَةَ، وَإِنَّ أَوَّلَ الْخَلاَئِقِيُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْأُمَّتِي، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّأُصَيْحَابِي، فَيَقُولُ: إِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْشَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ (http://javascript%3cb%3e%3c/b%3E:openquran(4,117,117))} إِلَى قَوْلِهِ: {الْحَكِيمُ} قَالَ: فََيُقَالُ إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ)).
حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُالْحَارِثِ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِأَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليهوسلم: ((تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً))، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فََقَالَ: ((الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ)).
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ،حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْعَبْدِ اللَّهِ، قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي قُبَّةٍ فَقَالَ: ((أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، قُلْنَا:نَعَمْ، قَالَ: تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ،قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنِّيلأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْجَنَّةَ لاَيَدْخُلُهَا إِلاَّ نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَمَا أَنْتُمْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ إِلاَّ كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَحْمَرِ)).
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْسُلَيْمَانَ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّالنَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى يَوْمَ الْقِيَامَةِآدَمُ، فَتَرَاءَى ذُرِّيَّتُهُ، فَيُقَالُ: هَذَا أَبُوكُمْ آدَمُ، فَيَقُولُ:لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ جَهَنَّمَ مِنْذُرِّيَّتِكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ كَمْ أُخْرِجُ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ كُلِّمِائَةٍ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا أُخِذَمِنَّا مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، فَمَاذَا يَبْقَى مِنَّا؟ قَالَ: إِنَّ أُمَّتِي فِي الأُمَمِ كَالشَّعَرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِالأَسْوَدِ)).
يقول الإمام رحمه الله: ((باب كَيْفَ الْحَشْرُ)):
((قال حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، قال حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنِابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلاَثِطَرَائِقَ)): طرائق جمع طريق وطريقة، ((ثَلاَثِطَرَائِقَ رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ)):
1. هذه طريقة منهم من يحشر راغبا راهب، قوم يحشرون حال كونهم راغبين راهبين ويحشر.
((اثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلاَثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ)):
2. هذا الطريق الثاني: فهؤلاء الاثنان يركبان البعير في آن واحد، وقد يحتمل الثلاثة، وقد يحتمل البعير أربعة، وأما العشرة فقد لا يحتملهم البعير، إلا على سبيل الاعتقاب، يعتقبونه يركب هذا يحول، هذا أربعة على بعير وعشرة على بعير، على هذه الإبل يحشرون.
1. الطريقة الأولى: راغبين يذهبون بأنفسهم راغبين في ما عند الله عز وجل راهبين.
2. الطريقة الثانية: راكبين.
3. والطريقة الثالثة: تحشرهم النار.
إذ في آخر الزمان تخرج نار تحشر الناس إلى أرض المحشر، وأرض المحشر أين؟ في الشام.
((وَتحْشُرهمُالنَّارُ، تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا، وَتَبِيتُ مَعَهُمْحَيْثُ بَاتُوا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا)): فالمحشر في آخر الزمان في الشام، ويحشرون على هذه الطرائق الثلاث، فمنهم من يحشر بطوعه واختياره، يذهب راغبا راهبا ماشيا، ومنهم من يحشر راكبا على الصفة المشروحة، الاثنين على بعير، والثلاثة على بعير.
هذا وصف للحال التي ستكون في آخر الزمان، إذا كان راغبًا وراهبًا، وممن لا يستطيع المشي كالمقعد مثلا؛ لأن بعض الناس يتصور أن الظروف التي ستكون في آخر الزمان، أو في يوم القيامة تحاكي الظروف التي يعيشها، ولذا شخص يقول لأولاده: إذا قرب أجلي أو إذا كنت في آخر حياتي سأنتقل للجهات الشمالية يريد أن يسكن في عرعر، أو في طريف أو هذه الجهات، يقول: والله الركب لا تساعد، عجب! عجبًا لفهم الناس الغريب، أنت محشور، والله المستعان، إن أدركت ذلك الوقت أنت في مشكلة، نحن لا نتصور الناس يحشرون على هذه الطرائق الثلاث، ولا رابع لها؛ لأن الحصر جاء من قبل من لا ينطق عن الهوى، قد يقول قائل: لماذا لا تحملهم السيارات إلى هناك بدل هذه البعارين؟ لو قال: يحشرون راكبين، الطريقة الأولى:
يحشرون راغبين راهبين ماشين
والطريقة الثانية: راكبين، يحتمل أن يكون على أي وسيلة، لكن حدِّد هنا الركوب على البعير، وما يدريك، الآن الناس في آخر الزمان يعودون إلى ما كانوا عليه قبل.
((وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ)): كيف عشرة على بعير؟
إما أن يجعل في الإبل من قوة التحمل ما يجعل البعير الواحد يستطيع حمل العشرة؛ لإنفاذ ما يريده الله عز وجل.
أو على سبيل الاعتقاب يركب اثنين ثلاثة ثم ينزل اثنين ثم هكذا فيتعقبون هذا البعير.
((وَتحْشُرهمُ بقيتهم النَّارُ)): وفي رواية أبي ذر: ((تحشر بقيتهم النار)): هل يجوز أن نقول: (يحشر النار) مذكر أم مؤنث؟ النار مؤنث تأنيثًا ليس بحقيقي، وأيضا فصل بينه وبين فعله، فيجوز التذكير والتأنيث على حد سواء.
((وَتحْشُرهمُبقيتهمالنَّار ُ، تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا)): القيلولة معروفة، النوم منتصف النهار، حيث قالوا إذا تعبوا، وقالوا قالت معهم، ((وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا)): إذا ناموا بالليل كذلك.
((وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا)): المقصود أنها تسوقهم إلى تلك الأماكن، هل تسوقهم بعصا؟
لا، تسوقهم بِلَحَفِهَا وَحَرِّهَا، نعم بحرها تسوقهم، إذا شب الحريق هرعوا منها، فكيف إذا تبعتهم؟ الله المستعان.
((وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا,وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا)): هذه النار ينشئها الله جل وعلا؛ لسوق هؤلاء، تحشر هؤلاء البقية الذين لم يذهبوا بطوعهم واختيارهم تحشرهم النار.
((ثم قال حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قال حَدَّثَنَايُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ، قال حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ،حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلاً، قَالَ: يَا نَبِيَّاللَّهِ كَيْفَ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ؟))
ليس من المتصور أن الإنسان سيمشي على وجهه، ليس متصور، كيف يمشي على وجهه؟ هذه مشكلةُ كثير من الناس يرد النصوص بهذه الطريقة، بهذه الطريقة أي لا تدخل مزاجه، إن الناس سيمشون على وجوههم؛ فيرد النص، وقد فتح الباب والمجال لمثل هؤلاء يتحدثون كيف ما شاءوا، يتحدثون في النصوص القطعية لم دخلت المزاج؛ إذًا فهي ليست صحيحة، ولو كانت في أصح الكتب،
والجواب هنا: أن الذي أمشاه على رجليه قادر على أن يمشيه على وجهه، هنا القدرة الإلهية، من يتصور جلد الكافر، ناب الكافر، ضرس الكافر، ما بين منكبي الكافر، من يتصور هذا شيء، هذا الأمر لو عرضناه على عقولنا ما احتملت هذه العقول، لكن ما لنا إلا الرضا والتسليم، هذا كلام من لا ينطق عن الهوى، فلابد من التسليم ولابد أن يؤطر الناس أطرهم على التسليم، ما يترك لهم الخيار، لا يترك للسفهاء خيار يتكلمون في الصحف كيف ما شاءوا، هذا ليس معقول وبعدين ترد النصوص بهذه الطريقة يأتي من ينتسب إلى العلم والدعوة ويقول حديث: ((لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة))
يقول: ليس بصحيح، ولكن البخاري رواه، قال: ليس بصحيح الواقع يرده، قلنا: كيف قال: غاندي حكمت الهنود، وتاتشر حكمت الانجليز، جندماييز هزمت العرب[1] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftn1)
وبمثل هذه الطريقة ترد النصوص، الجواب هنا: هذا أبعد عن احتمال العقل كون الإنسان سيمشي على وجهه، لكن هل للعقل مجال مع ورود الشرع؟
يعني هل يتصور أن العقل البشري على تفاوت ما بين الناس في عقولهم تحتمل كل ما جاء عن الله عز وجل؟
يعني هل يتصور عقل بشري؟ ولذا لابد من التسليم، هل يتصور العقل البشري أن الله جل وعلا ينزل في آخر كل ليلة إلى السماء الدنيا والعرش لا يخلو منه؟ هل يتصور العقل البشري مثل هذا؟ لا يوجد، هذا دين، أنت إنسان مخلوق ضعيف، مربوب، مكلف بأن تؤمن بهذه الأمور، يعني لما نطقت البقرة قالت: ما خلقنا لهذا، والناس بين اثنين والوسط هو الحق،
إما مخرف يقول: في هذه الأيام كل شيء يتكلم، عوام الناس يتصورون أن في أول الزمن الماضي كان كل شيء يتكلم، وهم يقولون كل شيء يتكلم، وسهل تمرير مثل هذه الأمور عليهم؛ لأن غيره مرَّ.
وبين شخص يقول: ليس بمعقول بقرة تريد أن تتكلم، والذئب يتكلم.
وبين من يقول: سمعنا وأطعنا، آمنا والنبي عليه الصلاة والسلام، يقول: آمنت بهذا أنا وأبو بكر وعمر، وما كان أبو بكر وعمر حاضرين الكلام، لكن بلغا من منزلة اليقين والتصديق ما يجعله عليه الصلاة والسلام يخبر عنهما في غيبتهما.
فقَدَم الإسلام لا تثبت إلا على قنطرة التسليم، سمعنا وأطعنا، وليس معنى هذا أن الإسلام يلغي العقول بالكلية، لا هناك الكثير من أمور الشرع مدركة بالعقل، ومعللة ومبنية على المصالح والمفاسد، لكن يبقى هنا قدر يختبر فيه المكلف، ولذا وجد في النصوص المتشابه، هذا الذي لا يمكن أن يعرفه أحد، يُختبر فيه الناس، فمن الناس:
من يرده ويتبعه فيرده.
أو يتبَعه ليضرب به نص آخر هؤلاء الذين في قلوبهم مرض زيغ.
أما الراسخون في العلم يقولون: آمنا.
لابد أن تصل إلى هذه المرحلة، ولذا من الخطأ الفادح أن توجد مناظرات بين أهل الحق والباطل تنشر على عامة الناس، عقول عوام الناس لا يدركون مثل هذه الأمور، تعلق الشبه ثم بعد ذلك من ينزع الشبه، والآن عوام الناس يطِّلعون على مثل هذه الأمور في القنوات، وتلقى الشبه عليهم، لكن من ينزع هذه الشبه من قلوبهم، فلا بد من الرضا والتسليم، لابد منها، ولابد أن يربى الناس على هذا، آمنا بالله وبما جاء عن الله على مراد الله عز وجل، الذي نفهمه؛ نفهمه، ولا نكلف إلا ما نطيق، والذي لا نفهمه نرضى ونسلم، أما ألئك المفتونون الذين يعرضون ما جاء في النصوص على عقولهم، هؤلاء عندهم من الخلل بقدر ما ردوه من هذه النصوص:
إذا تضمن الرد من غير تأويل لنص ثبت بالقطع هؤلاء يخرجون من الدين؛ هذا كفر، نسأل الله العافية.
إذا تضمن الرد بتأويل سائغ، ومقبول، ولو كان مرجوح لا يصل إلى هذا الحد، لكنه خطر.
فما جاء في مثل هذا النص: كيف يحشر الناس على وجوههم؟ يعني غير متصور أبدًا أن الشخص سيمشي على وجهه؟ الجواب البلسم الشافي لمثل هذه الشبه في مثل هذا الحديث: ((قَالَ: أَلَيْسَ الَّذِيأَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنَّ يُمْشِيَهُعَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)): قادر إن الله على كل شيء قدير، ((قَالَ قَتَادَةُ بَلَى وَعِزَّةِرَبِّنَا)): فلنحذر كل الحذر أن نتحكم في النصوص بعقولنا، وبأفهامنا، الآن الجدار ما بينك وبينه إلا شبر لا تستطيع أن تعرف ما يدور وراءه، فكيف تسرح عقلك وأفهامك وأوهامك في ما وراء ذلك؟ والله المستعان.
((ثم قال حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، قال حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌوسَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلىالله عليه وسلم يَقُولُ: إِنَّكُمْ مُلاَقُو اللَّهِ)): لا محالة، الإيمان بالبعث ركن من أركان الإيمان، {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ} [2] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftn2)، والظن هنا: بمعنى يقين، ((إِنَّكُمْ مُلاَقُو اللَّهِ حُفَاةً)): غير منتعلين، ((عُرَاةً)): غير مكتسين، ((مُشَاةً)): غير راكبين، ((غُرْلاً)): غُرْلاً ملاقو الله، لكن كم بين شخص وآخر؟ كم بين من يُحشر إلى الرحمن وفدًا وبين من –الثاني- يساق إلى جهنم؟ نسأل الله العافية، بون شاسع، لا نسبة لا يمكن أن تنسب بين ما يعد لهذا الحشر حفاة عراة هذا أول ما يبعث الناس من قبورهم، ثم بعد ذلكم:
هؤلاء يحشرون إلى الرحمن وفدا على نجم عَقِيَان.
وهؤلاء يساقون إلى جهنم وردا المجرمون نسأل الله العافية.
((حُفَاةً عُرَاةً مُشَاةًغُرْلاً)): غُرْلاً الغرل: هو الأقلف الذي يُرد كل شيء إلى طبيعته، من قطع منه شيء يعاد إليه، {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ}[3] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftn3)، أصيب بغرغرينة قطعت يده، قطعت رجله تعاد إليه، إصبعه تعاد إليه، ما يقطع في الختان يعاد إليه.
((قَالَ سُفْيَانُ هَذَا مِمَّا نَعُدُّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم)): ابن عباس من صغار الصحابة، توفي النبي عليه الصلاة والسلام وهو يناهز الاحتلام، وروى عن النبي عليه الصلاة والسلام أحاديث كثيرة، كثيرٌ منها لم يدركه ابن عباس، فنقله عن النبي عليه الصلاة والسلام بواسطة وأسقط الواسطة، وهذا يسمى مراسيل الصحابة، ومراسيل الصحابة مقبولة، حتى نقل بعضهم الإجماع على قبولها، أما الذي أرسله الصحابي فحكمه الوصل على الصواب.
ابن عباس يختلف أهل العلم في مقدار ما سمعه من النبي عليه الصلاة والسلام مباشرة، فقال الغزالي: "أنه لم يسمع من النبي عليه الصلاة والسلام بواسطة إلا أربعة أحاديث فقط"[4] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftn4)، وهذا منها ابن عباس خالته أم المؤمنين، ويبيت عندها، ما سمع إلا أربعة أحاديث، قيل بهذا، لكنه ليس بصحيح، النبي عليه الصلاة والسلام كان يخص ابن عباس بأمور؛ لقربه وذكائه وألمعيته، قربه في النسب، قربه في المصاهرة، يبيت عنده، فيخصه بأشياء، ويأتي من يأتي ويقول من يقول أن ابن عباس لم يسمع من النبي عليه الصلاة والسلام إلا أربعة أحاديث، ابن حجر يقول: "جمعت مما صرح ابن عباس بسماعه من النبي عليه الصلاة والسلام مما صح أو حسن فزادت على الأربعين"، نعم فزاد على الأربعين الداخل في حيز القبول، هذا مما صرح به ابن عباس في السماع من النبي عليه الصلاة والسلام، ويأتي من يأتي ويقول: أن ابن عباس ما سمع إلا أربعة أحاديث، نعم هذا الحديث مما سمعه من النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، وابن عباس صغير فاته أشياء كثيرة، ومع ذلكم روى عن النبي عليه الصلاة والسلام أحاديث كثيرة، وقد تكون روايته لها بالواسطة، بواسطة أحد الصحابة، يروي عن صحابي عن النبي عليه الصلاة والسلام، ويسقط الواسطة والواسطة صحابي، عدد لا إشكال فيه، ولذا مرسل الصحابي حكمه الموصول عند عامة أهل العلم.
((حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قال حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِيَقُولُ " إِنَّكُمْ مُلاَقُو اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً))
يأتي في كلام عائشة كيف أن الناس يحشرون عراة؟ كيف يتصور الرجل أمامه امرأة عارية أو العكس؟ والجواب: أن الأمر أعظم من ذلك، هل يتصور الشخص يرسل النظر إلى امرأة متبرجة مثلا وفجأة يخرج عليه أسد مثلا مفترس يتناسى الأسد وينظر؟ نعم قد يسارق النظر إذا كان الأمر أهون من ذلك، يعني رجل هيئة شخص يهابه أو يخجل منه قد يسارق النظر، تأتي هنا خائنة الأعين، نعم لكن أسد المسألة مساومه على حياته، الأمر أعظم من ذلك، فكيف بما هو أعظم وأعظم؟؟!
((ثم قال حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قال حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ،قال حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِجُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ قَامَ فِينَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ فَقَالَ: إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ)): وفي رواية أبي ذر: ((تُحْشَورُونَ))، ((حُفَاةً عُرَاةً)): على الكمال والتمام كما ولدتم، {كَمَا بَدَأْنَاأَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ}.
((وَإِنَّ أَوَّلَ الْخَلاَئِقِيُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ)): أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام، من أولي العزم، من أعظم الأنبياء، الجمهور على أنه هو الذي يلي محمد عليه الصلاة والسلام في المكانة، فهو أول من يكسى مجازاة له, موسى عليه السلام جوزي بصعقة الطور، و إبراهيم عليه السلام أول من يكسى يوم القيامة مجازاة له؛ لأنه جُرِّد من ثيابه حينما ألقي في النار، هنا يكون الجزاء، هنا الفخر، ليس بإعطائه درع، ولا يقلد قلادة، هذا الفخر هذا الجزاء أنه أول من يكسى يوم القيامة، وليس معنى هذا أنه أفضل من نبينا، هو يكسى قبل نبينا عليه الصلاة والسلام، وليس معنى هذا أنه أفضل من نبينا عليه الصلاة والسلام، بل محمد أشرف الخلق على الإطلاق، وتقدم هذا عند الكلام على مونه أول من يكسى مجازاة له سى عليه السلام.
((وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ)): برجال من أمتي يعرفهم عليه الصلاة والسلام:
1. إما لأنهم عاصروه وهذا في حق من ارتد بعده.
2. أو لأنه عرفهم من آثار الوضوء وقد بدلوا وحرفوا.
((وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْأُمَّتِي، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي)): هذا تصغير، في رواية أبي ذر: ((أصحابي))، ((فَيَقُولُ إِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ)): النبي عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب، ما أحدثوا بعدك، ((فََأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ)): من العبد الصالح؟ عيسى عليه السلام في آخر المائدة: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ}[5] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftn5)، بعد ذلك: هل هو مسئول عنهم بعد أن يموت؟ ليس بمسئول عنهم، {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} [6] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftn6)، إلى أن قال: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [7] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftn7).
((قَالَ فَيُقَالُ إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ)): إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم، يعني هؤلاء الذين حُرِفوا عن الحوض وصرفوا عنه، وأخذ بهم ذات الشمال، هؤلاء حرفوا وبدلوا وغيروا، ابتدعوا في الدين، وارتد بعضهم عن الدين.
((ثم قال رحمه الله: حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ، قال حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُالْحَارِثِ، قال حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِأَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً)): عراة الأمر أعظم من ذلك، كما جاء الحديث، وبعض المفتونين ينادي بالاختلاط، وقد تسوِّل له نفسه الاستدلال بمثل هذا الحديث، اختلاط وعري قال: ما المانع؟ ما الذي يفرق الدنيا عن الآخرة؟ والمفتون الذي استدل بالاختلاط في المطاف؛ يستدل به في مثل هذا المكان، وهذه وظيفة إبليس، كان من أول وظائفه بعد أن أغوى آدم عليه الصلاة والسلام، وأكل من الشجرة؛ ليبدي ما وري عنهما من سوءتهما، هذه وظيفته، ولذا جاء في آخر سورة الأحزاب أن هذه وظيفة أتباع إبليس من المنافقين: {قُُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} [8] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftn8)، ثم قال بعد ذلك: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ} [9] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftn9)، هذه وظيفته، هذه وظيفة إبليس اللعين وأتباع إبليس من المنافقين، الاختلاط والعري، {قُ يأتي من يأتي من المفتونين يقول: الاختلاط مشروع في أشرف البقاع في المطاف، هل هذا الاختلاط على الوجه الذي تريدونه؟!
((تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ)): تستغرب، يعني إذا كانت المسألة ظروف عادية هذا يستغرب بلا شك، لكن الأمر أشد من أن يهمهم ذلك، نحن ضربنا مثال بسيط، المسألة مساومة على حياة وموت، وقلنا إن الذي يرسل نظره إلى امرأة متبرجة، ويخرج عليه فجأة أمر مخيف، إما عدو بآلة قاتلة، أو سبع، أو ما أشبه ذلك، الأمر أعظم من إطلاق نظر، نعم ممن وصل الخوف من الله عز وجل في قلبه إلى حد يكون أعظم من مسألة نظر، ومسألة مباشرة، صار هذا الخوف سبب؛ لأن يظله الله في ظله يوم القيامة، ((ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال،وموتاط على الوجه الذي تريدونه، فقال إني أخاف الله)) [10] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftn10)
نعم إذا زاد الأمر سواء كان في الأمور الحسية أو الأمور المعنوية، بطلت هذه الأمور،)، تبطل مفعولها، بعض الناس ممن وصل الأمر في قلبه من تقوى الله، ينظر إلى المرأة متبرجة، أو عارية، أو على أي وضع كانت، كأنها سارية؛ لأنه ربى نفسه على هذا، أما الذي ربى نفسه على النظر يمنة ويسرة، وهذه صغيرة، وهذا كذا، يفتن، وفي النهاية يقع، والسيئة تقول: أختي تجرها تجر أختها، فلا نتساهل في مثل هذه الأمور، وإن دعا إليها من دعا من المفتونين.
((فََقَالَ: الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ)).
((فقال حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قال حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ،قال حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْليسنٍ، عَنْعَبْدِ اللَّهِ، قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي قُبَّةٍفَقَالَ: أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، قُلْنَا: نَعَمْ))
ربع يعني هذه الأمة بالنسبة للأمم السابقة عددهم قليل،فإذا كانت نسبة دخولهم الجنة الربع، هذا طيب بالنسبة لعددهم، لمن تقدم من الأمم من بدء الخلق.
((فَقَالَ: أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، قُلْنَا: نَعَمْ)): هذا أطيب وكلما زادت النسبة زاد الأمل، في الجماعات والأفراد، لو قال رسول الله: أنتمي الجماعات والأفراد، نسبة زاد الأمل، من أهل الجنة ليتطاول كل واحد أنه من أهل الجنة، لو قال: أنتم ثلاث أرباع أهل الجنة، الأمل خف، لكنه موجود، ولو قال: أنكم نصف أهل الجنة، يأمل المسلم أن يكون من أهل الجنة، ولو قال: أنكم شطر أهل الجنة، الثلث فيه أمل، لكن لو كان العدد يسير، والإنسان كل إنسان يعرف وضعه، وتفريطه في جنب الله، كان الخوف أعظم، ولذا بعض الناس إذا سافر إلى البلدان ورأى ملايين من البشر على الكفر، راح للصين رأى ألف مليون، قال: أبدًا ثقوا واطمئنوا وافعلوا ما شئتم، نحن بالنسبة للصين؛ فهؤلاء كلهم في النار، يا أخي أنت ليس بمسئول، لا عن صين، ولا عن حين، أنت مسئول عن نفسك، مأمور بأوامر، ومنهي عن نواهي، مسئول عن نفسك ائتمرت وانتهيت والله أنت من أهل الجنة والوعد الصادق، وإن خالفت وارتكبت أنت مهدد بالنار، أنت لست بمسئول عن الناس الآخرين، أكثر أقل، لكن يبعث الأمل في النفس مثل هذا الحديث، أما والله يروح الأقطار، ويزاول المنكرات ويقول أبدًا نحن ما نسبتنا لهؤلاء الكفار؟ النار ستمتلئ من الصين والهند وخلائق لا يحصون، أنت ليس مسئول عنهم، كمن يقول: الحمد لله نحن بنعمة وعافية وخير والصلوات تقام والدروس والعلم والفضل والشعائر قائمة والناس، انظر يمين ويسار نحن أفضل من الناس، ما يجوز أن تقول هذا الكلام، تنظر لمن هو دونك في مثل هذا الباب انظر لمن هو فوقك، أما في أمور الدنيا انظر لمن هو دونك، انظر إلى الناس أمنين ومطمئنين ومرتاحين، والذي بيننا يتخبطهم الأعداء يمنة ويسرة، خوف وجوع، نعم هذا أدعى أن لا تزال النعمة، لكن في أمور الدين تنظر لمن هو دونك وتقول: أنا أفضل منه، هذا ليس بصحيح.
((فَقَالَ: أَتَرْضَوْنَ)): لأن في هذا الحديث ما يبعث على الترغيب والأمل، لكن في الحديث الذي بعده، الشأن في الذي يليه؛ لأننا ننظر في النصوص مجتمعة، أنتم شطر أهل الجنة، لكن كم أهل الجنة؟ أهل الجنة واحد، يا سلعة الرحمن ليس ينالها في الألف إلا واحد، من كل ألف واحد، فهذا يبعث على الأمل، وهذا يبعث على الرجاء، وجاءت النصوص بهذا وهذا، ففي النصوص ما يبعث على الأمل ويجعل الإنسان يطمئن باله ويرتاح، والأمل الذي لا يبعث على العمل هذا أمن من مكر الله، لا يجوز، كما أن الخوف الذي لا يبعث على العمل قنوط ويأس من رحمة الله، لا يجوز أيضا، لابد أن تقترن حياة المسلم بالخوف والرجاء، لكن ما معنى الخوف؟ الخوف الذي يحذوك على العمل، إذا خفت تسعى لخلاصك من هذا المخوف، إذا أمَّلت تفعل ليتحقق لك هذا المأمول المرجو.
((إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْجَنَّةَ لاَ يَدْخُلُهَا إِلاَّ نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ)): أنت لا علاقة لك، أنت واظب على الدين، فإن تخلف هذه الشرط ...، ولا أنت من أمة محمد، من أمة الدعوة، ما لم تكن من أمة الإجابة ومحقق لما أجبت له.
((وَمَا أَنْتُمْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ إِلاَّ كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ أَوْ كَالشَّعْرَةِالسَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَحْمَرِ)): التيئيس من رحمة الله ليس بوارد، كما أن الأمن من مكر الله هذا ليس بوارد، هذا محظور: {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} [11] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftn11)، الأمر عظيم، وكون أن الإنسان يقنط من رحمة الله، أو يقنط الناس، ((إذا قال هلك الناس فهو أهلكهم)) [12] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftn12)، هل ((هو أهلكَهم)) أو ((أهلكُهم))؟ كلاهما:
1. ((هو أهلكَهم)): يعني سعى في هلاكهم؛ لأنه قنطهم من رحمة الله.
2. ((أهلكُهم)): أو هو أشدهم هلاكا.
((ثم قال حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ آدَمُ، فَتَرَاءَى ذُرِّيَّتُهُ)): يدعى يوم القيامة، بآدم أبو البشر أول من ينادى، فالناس يتراءون، الكل يريد أن يراه، يتطاولون ويتراءون أبو البشر هذا، ((فَتَرَاءَى ذُرِّيَّتُهُ فَيُقَالُ: هَذَا أَبُوكُمْ آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ)): الكلام متسق، أو فيه حذف، فيقال هذا أبوكم آدم، هذا خطاب لهذه الذرية، ثم اتجه الخطاب إلى آدم، فيقال له: يا آدم فيقول لبيك وسعديك.
((فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ جَهَنَّمَ مِنْذُرِّيَّتِكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ كَمْ)): نسبتهم قال: ((أُخْرِجُ مِنْ كُلِّمِائَةٍ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ)): حال السلف بل بعضهم صرح: "أنه لو يقال إن كل الناس في الجنة إلا واحد جزمت أنه أنا هذا الواحد"، مع علمهم وعملهم، {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [13] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftn13)
لكن الآن التفريط مع الأمل، لو يقال: أهل الأرض كلهم في النار إلا واحد، قال بعض الناس: أنا، يجزم أنه هو مع سوء العمل، يعني لو نقول: أنه قام بشيء يبيض الوجه، فبون شاسع بين حال الناس اليوم مع بعد العهد وبين حال السلف، الأمة لا تخلو من الأخيار، فيها أخيار، فيها علماء، فيها عباد، فيها زهاد، لكن عامة الناس عندهم تفريط عظيم، وعندهم أمن، كأن عندهم ضمانات، يعني مع سوء العمل أمن من مكر الله، ولذا تجدون هذه الكوارث، وهذه النذر، والمثلات حلت قريبا من دارنا، ولا حركنا ساكن، أحاطت بنا الأعداء، وأحدقت بنا من كل جانب، ولا كأن شيء يعنينا، ما تغير شيء من وضعنا، إلا من يكون أسوء، كما هو الحاصل، وأمة تخرج من بلادها بقبضها وقضيبها، وتعود أسوء مما كانت عليه، وأبلغ من هذا قوله جل وعلا عن أهل النار: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا} [14] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftn14)، لا محالة وما تُغْني الآيات والنذر، إذا أراد الله شيء يسر أسبابه؛ لأنه مرَّ بنا، فتن ومحن، يعني لو الناس لزموا عبادة الله عز وجل طول بقية العمر ليس بكثير، يعني المفترض من وجود هذه الفتن التي أحدقت بنا وأجلبت علينا العدو بقبضه وقضيبه، عازم على إنهاء ما يقلقه، وانتشار الدين، وقوة شوكة المسلمين، يعني لو قلَّت نسبة المنكرات على أقل الأحوال، قلنا الأمة فيها خير إن شاء الله، فيها رجاء، لكن الحاصل العكس، زادت المنكرات ودعمت المنكرات، وحصلت الأثر على الدين وأهله، والمثُلات تحل قريبا من دارنا؛ ليقضي الله أمرا كان مفعولا، نسأل الله جل وعلا أن يلطف بنا وبإخواننا المسلمين في كل مكان.
((فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا أُخِذَ مِنَّا مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، فَمَاذَا يَبْقَى مِنَّا قَالَ: إِنَّ أُمَّتِي فِي الأُمَمِ كَالشَّعَرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِالأَسْوَدِ)):لكن ومع ذلكم، ومع هذه النصوص التي تبعث على الأمل، وتسر القلب، إلا أن الإنسان مسئول عن نفسه، لا شك أن النصوص العامة يدخل فيها، لكن هل دخوله قطعي؟ لا، لا يدخل فيها ينحرف يمين أو يسار عن نصوص الوحيين، فيكون على خطر عظيم.
ابن القيم رحمه الله تعالى عُرِف بالعلم والعمل يقول:
" والله ما خوفـي الـذنوب
وإنها لعلى سبيل العفو والغفران
لكن خوفـي أن يزيغ القلب
عن تـحكيم الوحي والقرآن"[15] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftn15)
فالذنوب تحت المشيئة، وأنت إذا لم تحكم القرآن على نفسك، فما الذي عندك من الدين؟ سمع النص يقول كذا، تقول لا سمع، ولا طاعة، لو كان بفعلك، أو بقولك، على الإنسان أن يحرص على هذا، وكون الأمة أكثر أهل الجنة أو نسبتها بالنسبة للكفار كلا شيء، كالشعرة السوداء، هذا لا يعني أنك ضمنت لك النجاة بمفردك، نعم هذه مزية وفضيلة للأمة، وتشريفا لنبيها عليه الصلاة والسلام، لكن لا يعني أنه ضمان لك على سبيل الخصوص، والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
------------------------
[1] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftnref1) (تنبيه: قصة الملكة بلقيس حيث قالت للملأ: {ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون}).
[2] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftnref2) سورة البقرة: 46.
[3] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftnref3) سورة الأنبياء: 104.
[5] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftnref5) سورة المائدة: 117.
[6] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftnref6) سورة المائدة: 117.
[7] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftnref7) سورة المائدة: 118.
[8] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftnref8) سورة الأحزاب: 59.
[9] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftnref9) سورة الأحزاب: 60.
[10] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftnref10) "صحيح البخاري" (كتاب الجماعة والإمامة/ باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد/ رقم [629] ).
[11] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftnref11) سورة الحجر: 56.
[12] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftnref12) "صحيح مسلم" (كتاب البر والصلة والآداب/ باب النهي من قول هلك الناس/ رقم [193] ).
[13] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftnref13) سورة المؤمنون: 60.
[14] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftnref14) سورة الأنعام: 28.
[15] (http://www.alrekab.com/vb/#_ftnref15) ابن قيم.