أم هشام
08 Nov 2006, 05:33 AM
الجملة الفِعلية والجملة الإسمّية ـــ صَلاح الدين الزعبَلاوي
[COLOR="Blue"][SIZE="4"]جرى النحاة على تقسيم الجملة إلى فعلية واسمية. وقالوا في تعريف الفعلية:
أنها الجملة التي تبتدئ بالفعل، وفي الاسمية: إنها الجملة التي يتصدرها الاسم، ولا شك في أن مقالتهم هذه في تعريف الجملتين وتمييز إحداهما من الأخرى تبدو شكليّة تتناول الجملة من حيث شكلها ولا تتجاوزه إلى مضمونها ومادتها. قال ابن هشام في مغني اللبيب: "فالاسمية التي صدرها اسم كزيد قائم.. والفعلية هي التي صدرها فعل كقام زيد..". فهل أصاب النحاة حقاً في هذه القسمة وهل بيَّنوا في بنية كل من الجملتين ما تتميز به فعلاً من أختها من حيث إسنادها ودلالتها وشأنها في الأداء؟
ما الفارق في الأداء بين الجملة الفعلية يتقدم فيها الفعل فيسند إلى فاعله، والجمل الاسمية يتقدم فيها الفاعل وهو لا يزال مسنداً إليه ليكون مبتدأ، ومتى نختار هذه الجملة أو تلك؟
أشار الإمام عبد القاهر الجرجاني، في كتابه (دلائل الإعجاز)، إلى أنك إذا حدّثت عن محدّث عنه، بالفعل، بدأت به ولم تقدِّم ذكر المحدّث عنه، كلما كان الفعل مما لا يُشك فيه ولا يُنكر، وهو الغالب، قال الجرجاني: "ويزيدك بياناً أنه إذا كان الفعل مما لا يشك فيه ولا ينكر بحال، لم يكد يجيء على هذا الوجه، ولكن يؤتى به غير مبنى على الاسم، فإذا أخبرت بالخروج مثلاً عن رجل من عادته أن يخرج في كل غداة، قلت: قد خرج، ولم يحتج إلى أن تقول: هو قد خرج، ذلك لأنه ليس بشيء يشك فيه السامع فتحتاج أن تحققه إلى أن تقدم فيه ذكر المحدَّث عنه. وكذلك إذا علم السامع من حال رجل أنه على نية الركوب والمضي إلى موضع، ولم يكن شك وتردد أن يركب أو لا يركب، كان خبرك فيه أن تقول: قد ركب، ولا تقول: هو قد ركب /104". ولا شك في أن الشيخ علي الجارم، وقد تحدثنا في مقال سابق، عن مذهبه في تعويل العرب في كلامهم على الفعل، قد أفاد مما قاله الجرجاني فيما تقدم.
ويقول الجرجاني في موضع تقديم المحدّث عنه. "ويشهد لأن تقديم المحدّث عنه يقتضي تأكيد الخبر وتحقيقه إننا إذا تأملنا وجدنا هذا الضرب من الكلام يجيء فيما سبق فيه إنكار منكر أو اعتراض شاك، أو في تكذيب مُدَّع، كذلك في كل شيء كان خبراً على خلاف العادة".
وسترى أن القول ما قاله الجرجاني، ولكن كيف استدلَّ إمامنا على صحة ما انتهى إليه من الحكم، وأي سبيل سلك في هذا الاستدلال؟ أقول إنما أتى الجرجاني بالدليل من أي التنزيل ومن كلام العرب. وقد استكثر من الشواهد وأخذ باستقرائها وتحليلها. وإذا تعذر الذهاب بالاستقراء إلى حد الاستقصاء الذي أوجبه السامرَّائي، فيما سبق من القول في مقال سابق، فإنه لا يمتنع التعويل في الحكم على هذه الشواهد لكثرتها وتنوعها، ومكانتها من البلاغة، ومبلغها من إحكام السبك إلى حد الإعجاز في البيان. فالاستدلال الاستقرائي هذا، إنما هو استقراء للنظائر واستشهاد بها على الأمر المطلوب إقامة الحجة على صوابه. وهو يصل بصاحبه إلى التعميم عن طريق ملاحظة عدة نماذج متشابهة في ناحية من نواحيها، فيعمم الحكم عليها بحيث يجعلها زمرة واحدة، ويقوّي اليقين بهذا الاستدلال كثرة النظائر والأمثلة المنتمية إلى هذه الزمرة.
ولكن ما رأىُ العلماء المعاصرين في ما قيل عن فارق الأداء بين تقديم الفعل وإسناده إلى فاعله، وتقديم الفاعل ليكون مبتدأ وهو لا يزال مُسنداً إليه؟ وما يتفرَّع على ذلك من قسمة الجملة إلى فعلية واسمية.
مذهب الجواري في قسمة الجملة إلى فعلية واسمية.
ذهب الدكتور أحمد عبد الستار الجواري، رحمه الله في كتابه (نحوُ الفعل) إلى أن الجملة في مثل قولك (قام زيد) قد أسند فيها القيام إلى زيد، وفي (زيد قام) قد أسند فيها القيام إلى زيد أيضاً وليس بين الجملتين، عند الموازنة، إلا اهتمام المتكلم في الأولى بالإخبار عن القيام، وقد دعاه هذا إلى الابتداء بالفعل، فقال (قام زيد)، واهتمام المتكلم في الثانية بالإخبار عن (زيد)، فقاده هذا إلى تقديم ذكره فقال: (زيد قام)، فالجملة في الحالتين كلام أسند فيه ما تخبر به، أي (المسند) وهو الفعل، إلى ما تخبر عنه أي (المسند إليه) وهو الاسم. قال الأستاذ الجواري: "وحقيقة الأمر أنه لا فرق بين نحو قام زيد، وزيد قام، من حيث طبيعة التركيب. فالمسند فعل في الجملتين، وإذن فطبيعة الإسناد فيهما واحدة، يقصد فيها إلى النص على معنى الزمن. والفرق بينهما ينحصر في تقدم المسند إليه في الجملة الثانية للاهتمام به، وتأكيد الحكم عليه. أما الجملة الأولى فهي الجملة الفعلية على رسلها، وعلى الوجه المألوف بينها 20 و21".
وهكذا يرى الأستاذ الجواري أن تقديم الفاعل بالابتداء لا يغير من تركيب الجملة فيقول: "وليس تقديم الفاعل بالأمر الغريب، فقد أجازه نحاة الكوفة، وهو في اللغات الحديثة وما تحدَّرت عنه من اللغات القديمة، هو المألوف /85".
فالجملة الفعلية عند الجواري هي التي أسند فيها الفعل إلى الاسم، أي الفاعل، سواء أتقدم هذا الفاعل أم تأخّر. وأما الاسمية فهي التي أسند فيها الاسم إلى الاسم.
قال الجواري: "يبدو أن الجملة العربية قد تميزت في صورتها التي وصلت إلينا بأن التركيب فيها يكون بين الاسم والفعل تارة، وبين الاسم والاسم تارة أخرى. وتسمى الصورة الأولى الجملة الفعلية، وتسمَّى الصورة الثانية الجملة الاسمية"، ثم انتقل إلى تفصيل الكلام على الجملة الاسمية فقال: "وهذه الصورة الأخيرة لا يمكن أن تخلو في ما نعرف من اللغات، ولا سيما الحديثة، من فعل وإن كان فعلاً ناقصاً يعين على الإسناد ويحدد زمانها /18".
ويمضي الأستاذ الجواري في الكلام على الجملة الاسمية ويورد لها الأمثلة فيقول:
"فنحن نقول في العربية إذا أردنا إسناد القيام إلى زيد: زيد قام، ونقول في اللغات الأخرى ما يشبه قولنا في العربية: زيد يكون قائما، وهكذا". ويعقب على ذلك فيقول: "وقد يكون التركيب الاسمي أو الجملة الاسمية في اللغة العربية ثمرة من ثمار التطور والتحول الذي قطعته هذه اللغة في عهود سحيقة، موغلة في القدم، لا نكاد نتبين لها ملامح، أو نشهد لها آثاراً، وإنما نقف في بعض المظان على ظواهر تدل على أن العربية كان تسلك سبيل غيرها من اللغات فتستعين بفعل الكون، كانت الناقصة، على الإسناد، ولعل من ذلك ما يذكره النحاة عن (كان الزائدة)، في مثل قول أم عقيل ابن أبي طالب:
أنت تكون ماجد نبيل
إذا تَهبُّ شمألٌ بليلُ
وواضح أن فعل الكون في مثل هذا الجملة لا فائدة فيه، فإن تركيبها من اسمين غنيٌّ عن معنى ذلك الفعل غير محتاج إليه، اللهم إلا إذا أريد معنى المضيّ فيؤتى بالفعل ماضياً، ويكون حينئذ هو المسند أو يكون جزءاً منه /19".
خلاصة مذهب الجواري في الجملة الفعلية والاسمية:
أقول يمكن إيجاز مذهب الجواري هذا بأن الجملة الفعلية هي التي أسند فيها الفعل إلى الاسم، وهو الفاعل، ولا يعني تقديم الفاعل أو تأخيره إلا الاهتمام به في مثل قولك(زيد قام) أو الاهتمام بما أسند إليه وهو الفعل في مثل قولك (قام زيد). أمّا الاسمية فهي ما أسند فيها الاسم إلى الاسم كقولك (زيد قائم)، وهي صورة حديثة انتهت إليها العربية بعد أن تجاوزت أطواراً كانت تستعين فيها على الإسناد بفعل ناقص، هو فعل الكون، كما تفعل اللغات الأخرى، ولا سيما الحديثة.
الرأي في ما تصوره الجواري حداً لتمييز الجملة الفعلية من الاسمية:
خالف الجواري في ما انتحاه مذهب جمهور النحاة، وتفرقت بينهما السبل. إذا اعتدَّ قولك (زيد قام) جملة فعلية، وقصر الاسمية على مثل قولك (زيد قائم). وسنجمل الردَّ عليه وعلى من اتخذ نحواً من مذهبه بعد. على أننا نود أن نشير هنا إلى أن قوله أن اللغات الحديثة لا تزال تستعين في الإسناد بفعل مساعد في مثل قولها: (خالد يكون قائماً) وأن العربية قد عرفت هذا في طور من أطوارها، في نحو قول أم عقيل بن أبي طالب:
أنت تكون ماجد نبيلُ
إذا تهبُّ شمألٌ بليلُ
حين اعتدّوا فعل الكون المضارع زائداً لا يفيد في موقعه معنى. أقول أن دعواه هذه فيها نظر، ذلك أن اللغات الحديثة، ومنها الآرية، تستعين بأفعال مساعدة في الإسناد كفعل الكون والملك. وهو أمر معروف. ولكن ما بال الجواري يقتاس للعربية وطرائقها في الإسناد بما تستن به اللغات الأخرى كالآرية، وينهج لها في التعبير سبيلها. وكيف اتفق له أن يتحقق أن العربية إنما كانت تجري على أسلوب هذه اللغات وتحاكيها في طريقة الإسناد. وهو لو برهن في أن اللغات الأكادية والآشوية والبابلية والكنعانية والآرامية من أخوات لغتنا العربية، بل لهجاتها الموغلة في القدم، إنما تستعين بأفعال مساعدة وأن العربية كانت تحذو حذوها وتطبع على غرارها لكان له في ذلك وجه صالح ومذهب متقبل، ولم يتحدث المتخصصون في هذه اللغات عن شيء من هذا القبيل.
[COLOR="Blue"][SIZE="4"]جرى النحاة على تقسيم الجملة إلى فعلية واسمية. وقالوا في تعريف الفعلية:
أنها الجملة التي تبتدئ بالفعل، وفي الاسمية: إنها الجملة التي يتصدرها الاسم، ولا شك في أن مقالتهم هذه في تعريف الجملتين وتمييز إحداهما من الأخرى تبدو شكليّة تتناول الجملة من حيث شكلها ولا تتجاوزه إلى مضمونها ومادتها. قال ابن هشام في مغني اللبيب: "فالاسمية التي صدرها اسم كزيد قائم.. والفعلية هي التي صدرها فعل كقام زيد..". فهل أصاب النحاة حقاً في هذه القسمة وهل بيَّنوا في بنية كل من الجملتين ما تتميز به فعلاً من أختها من حيث إسنادها ودلالتها وشأنها في الأداء؟
ما الفارق في الأداء بين الجملة الفعلية يتقدم فيها الفعل فيسند إلى فاعله، والجمل الاسمية يتقدم فيها الفاعل وهو لا يزال مسنداً إليه ليكون مبتدأ، ومتى نختار هذه الجملة أو تلك؟
أشار الإمام عبد القاهر الجرجاني، في كتابه (دلائل الإعجاز)، إلى أنك إذا حدّثت عن محدّث عنه، بالفعل، بدأت به ولم تقدِّم ذكر المحدّث عنه، كلما كان الفعل مما لا يُشك فيه ولا يُنكر، وهو الغالب، قال الجرجاني: "ويزيدك بياناً أنه إذا كان الفعل مما لا يشك فيه ولا ينكر بحال، لم يكد يجيء على هذا الوجه، ولكن يؤتى به غير مبنى على الاسم، فإذا أخبرت بالخروج مثلاً عن رجل من عادته أن يخرج في كل غداة، قلت: قد خرج، ولم يحتج إلى أن تقول: هو قد خرج، ذلك لأنه ليس بشيء يشك فيه السامع فتحتاج أن تحققه إلى أن تقدم فيه ذكر المحدَّث عنه. وكذلك إذا علم السامع من حال رجل أنه على نية الركوب والمضي إلى موضع، ولم يكن شك وتردد أن يركب أو لا يركب، كان خبرك فيه أن تقول: قد ركب، ولا تقول: هو قد ركب /104". ولا شك في أن الشيخ علي الجارم، وقد تحدثنا في مقال سابق، عن مذهبه في تعويل العرب في كلامهم على الفعل، قد أفاد مما قاله الجرجاني فيما تقدم.
ويقول الجرجاني في موضع تقديم المحدّث عنه. "ويشهد لأن تقديم المحدّث عنه يقتضي تأكيد الخبر وتحقيقه إننا إذا تأملنا وجدنا هذا الضرب من الكلام يجيء فيما سبق فيه إنكار منكر أو اعتراض شاك، أو في تكذيب مُدَّع، كذلك في كل شيء كان خبراً على خلاف العادة".
وسترى أن القول ما قاله الجرجاني، ولكن كيف استدلَّ إمامنا على صحة ما انتهى إليه من الحكم، وأي سبيل سلك في هذا الاستدلال؟ أقول إنما أتى الجرجاني بالدليل من أي التنزيل ومن كلام العرب. وقد استكثر من الشواهد وأخذ باستقرائها وتحليلها. وإذا تعذر الذهاب بالاستقراء إلى حد الاستقصاء الذي أوجبه السامرَّائي، فيما سبق من القول في مقال سابق، فإنه لا يمتنع التعويل في الحكم على هذه الشواهد لكثرتها وتنوعها، ومكانتها من البلاغة، ومبلغها من إحكام السبك إلى حد الإعجاز في البيان. فالاستدلال الاستقرائي هذا، إنما هو استقراء للنظائر واستشهاد بها على الأمر المطلوب إقامة الحجة على صوابه. وهو يصل بصاحبه إلى التعميم عن طريق ملاحظة عدة نماذج متشابهة في ناحية من نواحيها، فيعمم الحكم عليها بحيث يجعلها زمرة واحدة، ويقوّي اليقين بهذا الاستدلال كثرة النظائر والأمثلة المنتمية إلى هذه الزمرة.
ولكن ما رأىُ العلماء المعاصرين في ما قيل عن فارق الأداء بين تقديم الفعل وإسناده إلى فاعله، وتقديم الفاعل ليكون مبتدأ وهو لا يزال مُسنداً إليه؟ وما يتفرَّع على ذلك من قسمة الجملة إلى فعلية واسمية.
مذهب الجواري في قسمة الجملة إلى فعلية واسمية.
ذهب الدكتور أحمد عبد الستار الجواري، رحمه الله في كتابه (نحوُ الفعل) إلى أن الجملة في مثل قولك (قام زيد) قد أسند فيها القيام إلى زيد، وفي (زيد قام) قد أسند فيها القيام إلى زيد أيضاً وليس بين الجملتين، عند الموازنة، إلا اهتمام المتكلم في الأولى بالإخبار عن القيام، وقد دعاه هذا إلى الابتداء بالفعل، فقال (قام زيد)، واهتمام المتكلم في الثانية بالإخبار عن (زيد)، فقاده هذا إلى تقديم ذكره فقال: (زيد قام)، فالجملة في الحالتين كلام أسند فيه ما تخبر به، أي (المسند) وهو الفعل، إلى ما تخبر عنه أي (المسند إليه) وهو الاسم. قال الأستاذ الجواري: "وحقيقة الأمر أنه لا فرق بين نحو قام زيد، وزيد قام، من حيث طبيعة التركيب. فالمسند فعل في الجملتين، وإذن فطبيعة الإسناد فيهما واحدة، يقصد فيها إلى النص على معنى الزمن. والفرق بينهما ينحصر في تقدم المسند إليه في الجملة الثانية للاهتمام به، وتأكيد الحكم عليه. أما الجملة الأولى فهي الجملة الفعلية على رسلها، وعلى الوجه المألوف بينها 20 و21".
وهكذا يرى الأستاذ الجواري أن تقديم الفاعل بالابتداء لا يغير من تركيب الجملة فيقول: "وليس تقديم الفاعل بالأمر الغريب، فقد أجازه نحاة الكوفة، وهو في اللغات الحديثة وما تحدَّرت عنه من اللغات القديمة، هو المألوف /85".
فالجملة الفعلية عند الجواري هي التي أسند فيها الفعل إلى الاسم، أي الفاعل، سواء أتقدم هذا الفاعل أم تأخّر. وأما الاسمية فهي التي أسند فيها الاسم إلى الاسم.
قال الجواري: "يبدو أن الجملة العربية قد تميزت في صورتها التي وصلت إلينا بأن التركيب فيها يكون بين الاسم والفعل تارة، وبين الاسم والاسم تارة أخرى. وتسمى الصورة الأولى الجملة الفعلية، وتسمَّى الصورة الثانية الجملة الاسمية"، ثم انتقل إلى تفصيل الكلام على الجملة الاسمية فقال: "وهذه الصورة الأخيرة لا يمكن أن تخلو في ما نعرف من اللغات، ولا سيما الحديثة، من فعل وإن كان فعلاً ناقصاً يعين على الإسناد ويحدد زمانها /18".
ويمضي الأستاذ الجواري في الكلام على الجملة الاسمية ويورد لها الأمثلة فيقول:
"فنحن نقول في العربية إذا أردنا إسناد القيام إلى زيد: زيد قام، ونقول في اللغات الأخرى ما يشبه قولنا في العربية: زيد يكون قائما، وهكذا". ويعقب على ذلك فيقول: "وقد يكون التركيب الاسمي أو الجملة الاسمية في اللغة العربية ثمرة من ثمار التطور والتحول الذي قطعته هذه اللغة في عهود سحيقة، موغلة في القدم، لا نكاد نتبين لها ملامح، أو نشهد لها آثاراً، وإنما نقف في بعض المظان على ظواهر تدل على أن العربية كان تسلك سبيل غيرها من اللغات فتستعين بفعل الكون، كانت الناقصة، على الإسناد، ولعل من ذلك ما يذكره النحاة عن (كان الزائدة)، في مثل قول أم عقيل ابن أبي طالب:
أنت تكون ماجد نبيل
إذا تَهبُّ شمألٌ بليلُ
وواضح أن فعل الكون في مثل هذا الجملة لا فائدة فيه، فإن تركيبها من اسمين غنيٌّ عن معنى ذلك الفعل غير محتاج إليه، اللهم إلا إذا أريد معنى المضيّ فيؤتى بالفعل ماضياً، ويكون حينئذ هو المسند أو يكون جزءاً منه /19".
خلاصة مذهب الجواري في الجملة الفعلية والاسمية:
أقول يمكن إيجاز مذهب الجواري هذا بأن الجملة الفعلية هي التي أسند فيها الفعل إلى الاسم، وهو الفاعل، ولا يعني تقديم الفاعل أو تأخيره إلا الاهتمام به في مثل قولك(زيد قام) أو الاهتمام بما أسند إليه وهو الفعل في مثل قولك (قام زيد). أمّا الاسمية فهي ما أسند فيها الاسم إلى الاسم كقولك (زيد قائم)، وهي صورة حديثة انتهت إليها العربية بعد أن تجاوزت أطواراً كانت تستعين فيها على الإسناد بفعل ناقص، هو فعل الكون، كما تفعل اللغات الأخرى، ولا سيما الحديثة.
الرأي في ما تصوره الجواري حداً لتمييز الجملة الفعلية من الاسمية:
خالف الجواري في ما انتحاه مذهب جمهور النحاة، وتفرقت بينهما السبل. إذا اعتدَّ قولك (زيد قام) جملة فعلية، وقصر الاسمية على مثل قولك (زيد قائم). وسنجمل الردَّ عليه وعلى من اتخذ نحواً من مذهبه بعد. على أننا نود أن نشير هنا إلى أن قوله أن اللغات الحديثة لا تزال تستعين في الإسناد بفعل مساعد في مثل قولها: (خالد يكون قائماً) وأن العربية قد عرفت هذا في طور من أطوارها، في نحو قول أم عقيل بن أبي طالب:
أنت تكون ماجد نبيلُ
إذا تهبُّ شمألٌ بليلُ
حين اعتدّوا فعل الكون المضارع زائداً لا يفيد في موقعه معنى. أقول أن دعواه هذه فيها نظر، ذلك أن اللغات الحديثة، ومنها الآرية، تستعين بأفعال مساعدة في الإسناد كفعل الكون والملك. وهو أمر معروف. ولكن ما بال الجواري يقتاس للعربية وطرائقها في الإسناد بما تستن به اللغات الأخرى كالآرية، وينهج لها في التعبير سبيلها. وكيف اتفق له أن يتحقق أن العربية إنما كانت تجري على أسلوب هذه اللغات وتحاكيها في طريقة الإسناد. وهو لو برهن في أن اللغات الأكادية والآشوية والبابلية والكنعانية والآرامية من أخوات لغتنا العربية، بل لهجاتها الموغلة في القدم، إنما تستعين بأفعال مساعدة وأن العربية كانت تحذو حذوها وتطبع على غرارها لكان له في ذلك وجه صالح ومذهب متقبل، ولم يتحدث المتخصصون في هذه اللغات عن شيء من هذا القبيل.