أم عمر خادمة السنة
20 Feb 2009, 06:38 PM
إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسناوسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إلهإلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد فإن النفوستحب القصص، وتتأثر بها، لذلك تجد في القرآن أنواعاً من القصص النافع، وهو من أحسنالقصص.
وكان من حكمة الرسول صلى الله عليه وسلم أن أقتدى بكتاب ربه،فقص علينا من الأنباء السابقة ما فيه عبر، باللفظ الفصيح، والبيان العذب البليغ،ويمتاز بأنه واقعي وليس بخيالي.
" وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَإِلا وَحْيٌ يُوحَى " [ سورة النجم: 3-4] وإن بعض شبابنا قد مالوا إلى القصصالأجنبي الضار، إذ أكثره جنسي مائع أو بوليسي مجرم، يوقعهم في الفاحشة والانحرافكما يريده أعداء الإسلام.
لذلك كان واجباً على الكاتب الإسلامي أن يقدمنماذج من القصص الديني الصحيح فإن فيها تهذيب الأخلاق وتقريب الشباب من الدين.
وإني أقدم نموذجاً من بدائع القصص النبوي، وهي مختارة من الأحاديث الصحيحة،وجعلتها على شكل حوار، ومشاهد حتى كأنك ترى وقائع القصة أمامك، وجعلت لكل قصة عبرهفي آخرها للاستفادة، فالله تعالى يقول: " لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌلأُوْلِي الأَلْبَابِ " [ سورة يوسف: 111
وسنبدأ بقصة الغلام المؤمن والساحر. ونسأل الله ان يوفقنا في سرد هذه القصة وأن يتقبل منا عملنا خالصاً لوجهعز وجل، والله ولي التوفيق:
( الحلقة الثانية )
الغلام المؤمن والساحر
عنصهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كان ملك فيمن كان قبلكم،وكان له ساحر، فلما كبر الساحر، قال للملك: إني قد كبرتُ فابعث إلي غلاماً أعلمهالسحر، فبعث إليه غلاماً يعلمه، فكان في طريقه إذا سلك راهبٌ، فقعد إليه وسمع كلامهفأعجبه، فكان إذا أتي الساحر مر بالراهب وقعد إليه فإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلكإلى الراهب، فقال إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسنيالساحر ".
الغلام والأفعى
" بينما الغلام سائر إذ رأىدابة عظيمة ( أفعى ) قد حبست الناس "
الغلام [يخاطب نفسه] : اليوم أعلم،الساحر أفضل أم الراهب؟
الغلام [يأخذ حجراً] : اللهم إن كان أمر الراهب أحبإليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس.
" يرمي الغلام الدابةفيقتلها ويمضي الناس ".
" يأتي الغلام الراهب فيخبره ".
الراهب [متعجباً] : أي بني أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى، فإنابتليت فلا تدل علي.
" الغلام يبرئ الأكمه ( الأعمى ) والأبرص ويداوي الناسمن سائر الأدواء ( الأمراض ) ".الغلام والأعمى
" يسمعجليس للملك وكان قد عمي، فيقدم للغلام هدايا كثيرة " .
الأعمى [راجياً] : كل هذه الهدايا لك إن أنت شفيتني !.
الغلام [مرشداًً] : إني لا أشفي أحداً،إنما يشفي الله تعالى، فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك.
" يؤمن الأعمىفيشفيه الله تعالى ".
" يأتي الجليس الملك، فيجلس إليه كما كان يجلس ".
الملك [متعجباً] : من رد عليك بصرك ؟!!
الجليس [في فرح] : ربي !
الملك [منكراً] : أو لك رب غيري ؟!!
الجليس [في شجاعة وإيمان] : ربي وربكالله.
" يأخذه الملك فلم يزل يعذبه حتى يدل على الغلام فيؤتى بالغلام "
الملك [مهدداً] : أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص، وتفعلوتفعل !!
الغلام : إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله تعالى.
تعذيب من آمن
" يأخذ الملك الغلام، فلا يزال يعذبه حتى دل على الراهب، فجيءبالراهب فقيل له، ارجع عن دينك فيأبى، فيدعو الملك بالمنشار، فيضع المنشار في مفرقرأسه فيشقه به حتى يقع شقاه على الأرض !! ".
" ثم جيء بجليس الملك، فقيل له: ارجع عن دينك فيأبى، فيضع المنشار في مفرق رأسه، فيشقه به حتى وقع شقاه ".
الغلام يعذب
" يؤتى بالغلام، فيقال له: ارجع عن دينك،فيأبى فيدفعه الملك إلى نفر من أصحابه ".
الملك [غاضباً] : اذهبوا به إلىجبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل فاذا بلغتم ذروته، فإن رجع عن دينه ، وإلا فاطرحوه.
" يذهبون بالغلام، ويصعدون الجبل ".
الغلام [داعياً عليهم] : اللهماكفنيهم بما شئت.
" يرجف بهم الجبل فيسقطون ويجيء الغلام يمشي إلى الملك ".
الملك [في حيرة ودهشة] : ما فعل أصحابك؟!
الغلام [في شجاعة وإيمان] : كفانيهم الله تعالى.
" يدفعه الملك إلى نفر من أصحابه ".
الملك : اذهبوا به فاحملوه في قرقور ( زورق ) وتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه، وإلافاقذفوه.
" يذهبون بالغلام ".
الغلام [داعياً ] : اللهم اكفنيهمبما شئت.
تنكفئ بهم السفينة فيغرقون !! ويجيء الغلام الى الملك يمشي !! ".
الملك [في قهر وخذلان] : ما فعل أصحابك؟
الغلام [في طمأنينة وثبات] : كفانيهم الله تعالى.
الغلام يضحي بنفسه
الغلام [للملك] : إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به !!!
الملك [في عجز ويأس] : وما هو؟
الغلام : تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع، ثم خذ سهماً من كنانتي، ثمضع السهم في كبد القوس، ثم قل: ( بسم الله رب الغلام )!! ثم ارمني فإنك إذا فعلتذلك تقتلني.
يجمع الناس في صعيد واحد ويصلب الغلام على جذع، ثم يأخذالملك سهماً من كنانة الغلام، ثم يضع السهم في كبد القوس ثم يقول:
( بسم الله ربالغلام ) ثم ريميه، فيقع السهم في صدغه، فيضع يده في صدغه في موضع السهم ويموت ".
الناس [يهتفون] : آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام.
يجيء الجند إلى المللك ".
الجند [في أسف] : أرأيت ما كنت تحذر،قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس.
الملك [في غيظ] : احفروا الأخدود ( الخنادق ) بأفواه السكك واضرموا فيها النيران، ومن لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها ( اطرحوه
" الجند على أطراف الأخدود، يعرضون الشعب المؤمن على النار،ويعرضون عليهم أن يرجعوا عن دينهم، فمن لم يرجع أوقعوه في النار ".
" على حافةالنار امرأة معها رضيع تخشى عليه فتترد، وتتقاعس أن تقع في النار ".
الرضيع [يقول] : يا أمه اصبري فإنك على حق. (( ذكر قصة أصحاب الأخدود الإمام مسلم 4/ رقم 3005)).
احتراق الكفار
قال الله تعالى: " إِنَّ الَّذِينَفَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُجَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ " [ سورة البروج:
1- قال ابنجرير بعد ذكره قصة أصحاب الأخدود:
وإنما قلت ذلك أولى التأويلين بالصواب للذيذكرنا عن الربيع من العلة: وهو أن الله أخبر أن لهم عذاب الحريق مع عذاب جنهم، ولولم يكونوا أحرقوا في الدنيا لم يكن لقوله: " وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ " معنىمفهوم مع إخباره أن لهم عذاب جهنم، لأن عذاب جهنم هو عذاب الحريق مع سائر أنواععذابها في الآخرة. (( ج 30 ص 135 )).
2- قال القرطبي في تفسيره قوله تعالى: " إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ " أي حرقوهم بالنار،فلهم عذاب جهنم لكفرهم، ولهم الحريق في الدنيا، لإحراقهم المؤمنين بالنار.
وقيل: " وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ " أي ولهم في الآخرة عذاب زائد علىعذاب كفرهم بما أحرقوا المؤمنين.
3- ذكر المفسر الألوسي نقلاً عن ابن جريروغيره:
أن الله بعث على المؤمنين ريحاً تقبض أرواحهم قبل الوصول إلى النار، وأنالنار خرجت فأحرقت الكفار الذين كانوا على حافتي الأخدود.
ويدل لهذا قولهتعالى: " قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ " وقوله تعالى: " وَلَهُمْ عَذَابُالْحَرِيقِ "
من فوائد القصة
1- كل مولود يولد على الفطرة،فاقتضت الفطرة السليمة أن تكون مع الحق والخير دائماً وترفض الشر، فوجهت الغلام نحوالخير حين سمع الحق من الراهب ونبذت الشر المتمثل في الساحر الكافر.
2- لابأس بالكذب للنجاة من كيد الكافرين عند الضرورة.
3- علم الغلام بفطرته أنالحق مع الراهب ولكن أراد أن يقيم الحجة ( مثل إبراهيم عليه السلام ) حين أقامالحجة على قومه.
4- الدعاء إلى الله أن يظهر له الحق ويبين له وجه الصوابويقطع الشك باليقين، وهذا شأن المؤمن يلجأ إلى الله دائماً لحل مشاكله.
5- إماطة الأذى عن الطريق وتخليص الناس من كرب وقعوا فيه، مشروع ومطلوب يؤجر المسلمعليه، كما صرحت بذلك الأحاديث.
6- المؤمن الصادق هو الذي ينسِبُ فعلالكرامة إلى الله وليس إلى نفسه.
7- الاعتراف بالفضل ولو إلى غلام صغير: " أي بني أنت اليوم أفضل مني".
8- كل من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وصدعبالحق لابد من أن يبتلى، وعليه الصبر، وله الأجر الكبير عند الله. قال الله تعالىعلى لسان لقمان يوصي ولده: " يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِوَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِالأُمُورِ "سورة لقمان: 17
9- كل من أخطأ في تعبيره لا يترك في خطئه،بل يبين له وجه الصواب، لا سيما في عقيدة التوحيد، فالغلام يقول للوزير: إني لاأشفي أحداً، إنما يشفي الله تعالى. وهذا مطابق لقول الله تعالى عن إبراهيم: " ) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ " سورة الشعراء: 80
10- إن للهرجالاً أقوياء بإيمانهم، فمهما عذبوا لا يرجعون عن دينهم، ولا يرضون الطغاة بكلمةفيها ضعف أو كفر، ولو حرقوا، أو نشروا أو أغرقوا وهو الأفضل وقد أشار إليهم اللهسبحانه بقوله: " وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌفَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَااسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ " سورة آل عمران: 146 وقد سمحالله للمؤمن أن يطنق بالكفر إذا أكره عليه فقال سبحانه: " مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِنبَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِوَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِوَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ " [ سورة النحل: 106].
11- لابد لكلمة الحق أنتنتصر، فالملك يعجز عن قتل الغلام، ولا يتم له بذلك إلا بطريقة يرسمها الغلامللملك، يعقبها إيمان الشعب واندحار الملك، ويتحقق قول الله تعالى: " وَجَعَلَكَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَاوَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " [ سورة التوبة: 40
12- الغلام المؤمن يضحيبنفسه ليؤمن الناس، وهذا شأن المؤمنين المخلصين يسعون لإنقاذ أمتهم، ولو أدى ذلكإلى استشهادهم فهم إلى الجنة ذاهبون: " وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِيسَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ " [ سورة آلعمران: 169 ].
13- يثبت الله المؤمنين بالحجج البينات، ويؤيد دينهمبالكرامات، فهذا هو الرضيع ينطق: " يا أمه إصبري فإنك على الحق ". والأم تستجيبلهذا الأمر، وتلقي بنفسها مع طفلها صابرة محتسبة.
14- مصير المؤمنين إلىالجنة بعد موتهم، ومصير الكفار الحرق في الدنيا وعذاب جهنم في الآخرة.
ملاحظه: نقلا من كتاب من بدائع القصص النبوي الصحيح للشيخ محمد بن جميل زينو المدرس في دار الحديث الخيريه بمكة المكرمة
wrrrd
أما بعد فإن النفوستحب القصص، وتتأثر بها، لذلك تجد في القرآن أنواعاً من القصص النافع، وهو من أحسنالقصص.
وكان من حكمة الرسول صلى الله عليه وسلم أن أقتدى بكتاب ربه،فقص علينا من الأنباء السابقة ما فيه عبر، باللفظ الفصيح، والبيان العذب البليغ،ويمتاز بأنه واقعي وليس بخيالي.
" وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَإِلا وَحْيٌ يُوحَى " [ سورة النجم: 3-4] وإن بعض شبابنا قد مالوا إلى القصصالأجنبي الضار، إذ أكثره جنسي مائع أو بوليسي مجرم، يوقعهم في الفاحشة والانحرافكما يريده أعداء الإسلام.
لذلك كان واجباً على الكاتب الإسلامي أن يقدمنماذج من القصص الديني الصحيح فإن فيها تهذيب الأخلاق وتقريب الشباب من الدين.
وإني أقدم نموذجاً من بدائع القصص النبوي، وهي مختارة من الأحاديث الصحيحة،وجعلتها على شكل حوار، ومشاهد حتى كأنك ترى وقائع القصة أمامك، وجعلت لكل قصة عبرهفي آخرها للاستفادة، فالله تعالى يقول: " لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌلأُوْلِي الأَلْبَابِ " [ سورة يوسف: 111
وسنبدأ بقصة الغلام المؤمن والساحر. ونسأل الله ان يوفقنا في سرد هذه القصة وأن يتقبل منا عملنا خالصاً لوجهعز وجل، والله ولي التوفيق:
( الحلقة الثانية )
الغلام المؤمن والساحر
عنصهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كان ملك فيمن كان قبلكم،وكان له ساحر، فلما كبر الساحر، قال للملك: إني قد كبرتُ فابعث إلي غلاماً أعلمهالسحر، فبعث إليه غلاماً يعلمه، فكان في طريقه إذا سلك راهبٌ، فقعد إليه وسمع كلامهفأعجبه، فكان إذا أتي الساحر مر بالراهب وقعد إليه فإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلكإلى الراهب، فقال إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسنيالساحر ".
الغلام والأفعى
" بينما الغلام سائر إذ رأىدابة عظيمة ( أفعى ) قد حبست الناس "
الغلام [يخاطب نفسه] : اليوم أعلم،الساحر أفضل أم الراهب؟
الغلام [يأخذ حجراً] : اللهم إن كان أمر الراهب أحبإليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس.
" يرمي الغلام الدابةفيقتلها ويمضي الناس ".
" يأتي الغلام الراهب فيخبره ".
الراهب [متعجباً] : أي بني أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى، فإنابتليت فلا تدل علي.
" الغلام يبرئ الأكمه ( الأعمى ) والأبرص ويداوي الناسمن سائر الأدواء ( الأمراض ) ".الغلام والأعمى
" يسمعجليس للملك وكان قد عمي، فيقدم للغلام هدايا كثيرة " .
الأعمى [راجياً] : كل هذه الهدايا لك إن أنت شفيتني !.
الغلام [مرشداًً] : إني لا أشفي أحداً،إنما يشفي الله تعالى، فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك.
" يؤمن الأعمىفيشفيه الله تعالى ".
" يأتي الجليس الملك، فيجلس إليه كما كان يجلس ".
الملك [متعجباً] : من رد عليك بصرك ؟!!
الجليس [في فرح] : ربي !
الملك [منكراً] : أو لك رب غيري ؟!!
الجليس [في شجاعة وإيمان] : ربي وربكالله.
" يأخذه الملك فلم يزل يعذبه حتى يدل على الغلام فيؤتى بالغلام "
الملك [مهدداً] : أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص، وتفعلوتفعل !!
الغلام : إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله تعالى.
تعذيب من آمن
" يأخذ الملك الغلام، فلا يزال يعذبه حتى دل على الراهب، فجيءبالراهب فقيل له، ارجع عن دينك فيأبى، فيدعو الملك بالمنشار، فيضع المنشار في مفرقرأسه فيشقه به حتى يقع شقاه على الأرض !! ".
" ثم جيء بجليس الملك، فقيل له: ارجع عن دينك فيأبى، فيضع المنشار في مفرق رأسه، فيشقه به حتى وقع شقاه ".
الغلام يعذب
" يؤتى بالغلام، فيقال له: ارجع عن دينك،فيأبى فيدفعه الملك إلى نفر من أصحابه ".
الملك [غاضباً] : اذهبوا به إلىجبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل فاذا بلغتم ذروته، فإن رجع عن دينه ، وإلا فاطرحوه.
" يذهبون بالغلام، ويصعدون الجبل ".
الغلام [داعياً عليهم] : اللهماكفنيهم بما شئت.
" يرجف بهم الجبل فيسقطون ويجيء الغلام يمشي إلى الملك ".
الملك [في حيرة ودهشة] : ما فعل أصحابك؟!
الغلام [في شجاعة وإيمان] : كفانيهم الله تعالى.
" يدفعه الملك إلى نفر من أصحابه ".
الملك : اذهبوا به فاحملوه في قرقور ( زورق ) وتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه، وإلافاقذفوه.
" يذهبون بالغلام ".
الغلام [داعياً ] : اللهم اكفنيهمبما شئت.
تنكفئ بهم السفينة فيغرقون !! ويجيء الغلام الى الملك يمشي !! ".
الملك [في قهر وخذلان] : ما فعل أصحابك؟
الغلام [في طمأنينة وثبات] : كفانيهم الله تعالى.
الغلام يضحي بنفسه
الغلام [للملك] : إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به !!!
الملك [في عجز ويأس] : وما هو؟
الغلام : تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع، ثم خذ سهماً من كنانتي، ثمضع السهم في كبد القوس، ثم قل: ( بسم الله رب الغلام )!! ثم ارمني فإنك إذا فعلتذلك تقتلني.
يجمع الناس في صعيد واحد ويصلب الغلام على جذع، ثم يأخذالملك سهماً من كنانة الغلام، ثم يضع السهم في كبد القوس ثم يقول:
( بسم الله ربالغلام ) ثم ريميه، فيقع السهم في صدغه، فيضع يده في صدغه في موضع السهم ويموت ".
الناس [يهتفون] : آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام.
يجيء الجند إلى المللك ".
الجند [في أسف] : أرأيت ما كنت تحذر،قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس.
الملك [في غيظ] : احفروا الأخدود ( الخنادق ) بأفواه السكك واضرموا فيها النيران، ومن لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها ( اطرحوه
" الجند على أطراف الأخدود، يعرضون الشعب المؤمن على النار،ويعرضون عليهم أن يرجعوا عن دينهم، فمن لم يرجع أوقعوه في النار ".
" على حافةالنار امرأة معها رضيع تخشى عليه فتترد، وتتقاعس أن تقع في النار ".
الرضيع [يقول] : يا أمه اصبري فإنك على حق. (( ذكر قصة أصحاب الأخدود الإمام مسلم 4/ رقم 3005)).
احتراق الكفار
قال الله تعالى: " إِنَّ الَّذِينَفَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُجَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ " [ سورة البروج:
1- قال ابنجرير بعد ذكره قصة أصحاب الأخدود:
وإنما قلت ذلك أولى التأويلين بالصواب للذيذكرنا عن الربيع من العلة: وهو أن الله أخبر أن لهم عذاب الحريق مع عذاب جنهم، ولولم يكونوا أحرقوا في الدنيا لم يكن لقوله: " وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ " معنىمفهوم مع إخباره أن لهم عذاب جهنم، لأن عذاب جهنم هو عذاب الحريق مع سائر أنواععذابها في الآخرة. (( ج 30 ص 135 )).
2- قال القرطبي في تفسيره قوله تعالى: " إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ " أي حرقوهم بالنار،فلهم عذاب جهنم لكفرهم، ولهم الحريق في الدنيا، لإحراقهم المؤمنين بالنار.
وقيل: " وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ " أي ولهم في الآخرة عذاب زائد علىعذاب كفرهم بما أحرقوا المؤمنين.
3- ذكر المفسر الألوسي نقلاً عن ابن جريروغيره:
أن الله بعث على المؤمنين ريحاً تقبض أرواحهم قبل الوصول إلى النار، وأنالنار خرجت فأحرقت الكفار الذين كانوا على حافتي الأخدود.
ويدل لهذا قولهتعالى: " قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ " وقوله تعالى: " وَلَهُمْ عَذَابُالْحَرِيقِ "
من فوائد القصة
1- كل مولود يولد على الفطرة،فاقتضت الفطرة السليمة أن تكون مع الحق والخير دائماً وترفض الشر، فوجهت الغلام نحوالخير حين سمع الحق من الراهب ونبذت الشر المتمثل في الساحر الكافر.
2- لابأس بالكذب للنجاة من كيد الكافرين عند الضرورة.
3- علم الغلام بفطرته أنالحق مع الراهب ولكن أراد أن يقيم الحجة ( مثل إبراهيم عليه السلام ) حين أقامالحجة على قومه.
4- الدعاء إلى الله أن يظهر له الحق ويبين له وجه الصوابويقطع الشك باليقين، وهذا شأن المؤمن يلجأ إلى الله دائماً لحل مشاكله.
5- إماطة الأذى عن الطريق وتخليص الناس من كرب وقعوا فيه، مشروع ومطلوب يؤجر المسلمعليه، كما صرحت بذلك الأحاديث.
6- المؤمن الصادق هو الذي ينسِبُ فعلالكرامة إلى الله وليس إلى نفسه.
7- الاعتراف بالفضل ولو إلى غلام صغير: " أي بني أنت اليوم أفضل مني".
8- كل من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وصدعبالحق لابد من أن يبتلى، وعليه الصبر، وله الأجر الكبير عند الله. قال الله تعالىعلى لسان لقمان يوصي ولده: " يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِوَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِالأُمُورِ "سورة لقمان: 17
9- كل من أخطأ في تعبيره لا يترك في خطئه،بل يبين له وجه الصواب، لا سيما في عقيدة التوحيد، فالغلام يقول للوزير: إني لاأشفي أحداً، إنما يشفي الله تعالى. وهذا مطابق لقول الله تعالى عن إبراهيم: " ) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ " سورة الشعراء: 80
10- إن للهرجالاً أقوياء بإيمانهم، فمهما عذبوا لا يرجعون عن دينهم، ولا يرضون الطغاة بكلمةفيها ضعف أو كفر، ولو حرقوا، أو نشروا أو أغرقوا وهو الأفضل وقد أشار إليهم اللهسبحانه بقوله: " وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌفَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَااسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ " سورة آل عمران: 146 وقد سمحالله للمؤمن أن يطنق بالكفر إذا أكره عليه فقال سبحانه: " مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِنبَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِوَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِوَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ " [ سورة النحل: 106].
11- لابد لكلمة الحق أنتنتصر، فالملك يعجز عن قتل الغلام، ولا يتم له بذلك إلا بطريقة يرسمها الغلامللملك، يعقبها إيمان الشعب واندحار الملك، ويتحقق قول الله تعالى: " وَجَعَلَكَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَاوَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " [ سورة التوبة: 40
12- الغلام المؤمن يضحيبنفسه ليؤمن الناس، وهذا شأن المؤمنين المخلصين يسعون لإنقاذ أمتهم، ولو أدى ذلكإلى استشهادهم فهم إلى الجنة ذاهبون: " وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِيسَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ " [ سورة آلعمران: 169 ].
13- يثبت الله المؤمنين بالحجج البينات، ويؤيد دينهمبالكرامات، فهذا هو الرضيع ينطق: " يا أمه إصبري فإنك على الحق ". والأم تستجيبلهذا الأمر، وتلقي بنفسها مع طفلها صابرة محتسبة.
14- مصير المؤمنين إلىالجنة بعد موتهم، ومصير الكفار الحرق في الدنيا وعذاب جهنم في الآخرة.
ملاحظه: نقلا من كتاب من بدائع القصص النبوي الصحيح للشيخ محمد بن جميل زينو المدرس في دار الحديث الخيريه بمكة المكرمة
wrrrd