الركب المهاجر
03 Jan 2008, 12:50 PM
الحــــــــــســــد في طلب الــــعــــــــلم
من كتاب معالم في طريق طلب العلم[ للشيخ عبد العزيز بن محمد بن عبد الله السدحان]
هذه القضية هي في الحقيقة آفة من آفات العلم، بل إن شئت فقل: إنها تمحق بركة العلم، ولقد أجاد السلف وأسهبوا وأطالوا الكلام عليها، وهذه القضية إذا تمكنت من طالب العلم فإنها تفسد عليه آخرته ، وكلما كان متوغلا فيها كان الضرر العائد عليه أعظم وأكبر، وهي تنغص على طالب العلم طلبه للعلم، وتعكر عليه حفظه وحضوره واستيعابه لما يسمع من العلم ، وهذه القضية لا يسلم منها مجتمع لكن يختلف الناس فيها فمستقل ومستكثر.
فلابد أن يطال الكلام عنها لخطورتها، فالحسد في طلب العلم خاصة بين الأقران يفسد على طالب العلم طريقة في الطلب ، وجرم الحاسد قد نص الله عليه في كتابه، وحذر منه النبي صلى الله عليه وسلم: فكلنا يقرأ قول الله تعالى:{ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ } [ الفلق:5] ونقرأ قول الله تعالى:{ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا } [النساء:54]
وتقرأ قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تحاسدوا ) [رواه مسلم]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تحاسدوا إلا في اثنتين.... ).[رواه البخاري ومسلم]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( ولهذا يقال: ما خلا جسد من جسد ، ولكن الكريم يخفيه واللئيم يبديه) [ الفتاوي10/124-125] والحاسد لو فكر قليلا في أمره ، لرأى أنه يعترض على قضاء الله وقدره، حينما أنعم على عبده بنعمة، فهذا الحاسد بلسان الحال- بل وقد يكون بلسان المقال- يعترض على إنعام الله على عبده فلان.
عـــــــــــــــلامــــــ ــات الـــــــــــــحاسد
تمهيد: وهذه العلامات تقل وتكثر حسب قوة الحسد، وأذكر شيئا من هذه العلامات، فلعل من كان مبتلى بها أن يسارع إلى الإقلاع عنها، وأقصر هذه العلامات، على ما يتعلق بطلبة العلم، ولقد أفاض العلماء في الكلام عن آفة الحسد، وكلامهم مفرق في بعض الكتب، وأفرد بعضهم الكلام عنه في رسائل مستقلة.[ مثل ذم البغي لا بن أبي الدنيا]
فمن علامات الحاسد:
1- أن يفرح بخطأ قرينه: وخطأ القرين أعظم من خطأ غيره، لأن القرين هو الذي يزاحمه على الصدارة، وهو الذي ينافسه بين مجتمع الناس، وهذا القرين هو الذي يكدر عليه صفو الشهرة، وكلما أخطأ القرين ازداد فرحه وازدادت بشارته، لأنه يظن أن في خطأ قرينه رفعة له- أي رفعة للحاسد-
2- أن يفرح بغياب قرينه، أو بعدم حضوره في أمر ينازعه فيه، أو يقاسمه فيه:فأنت ترى القرنين إذا اجتمعا يتقاسمان الكلام ، لما لكل واحد منهما من الحظ في العلم، فإذا غاب أحدهما تفرد الآخر بالمجلس، وتصدر عن بقية أصحابه، فيفرح بغياب صاحبه ، لأن في غيابه- فيما يظن- رفعا لدرجته عليه وليمكن له أكثر من صاحبه.
3- أن يسر إذا لمز قرينه أو ثلب، ويجد في قلبه راحة نفسية: بل ولا يحاول أن يمنع المغتاب أو اللامز، هذا إن لم يعنه! ولا شك أن هذا محرم، إذ إن غيبة المسلم العامي لا تجوز، فضلا عن أن يكون طالب علم نفعه متعد إلى غيره.
4- أن يعرض بقرينه إذا سئل عنه: فقد يأتي إلى طالب العلم الحاسد مبتدئ في الطلب، أو سائل من سواد الناس يسأل عن فلان، لأمر تعلق به ، فيجد الحاسد في ذلك فرصة للنيل من فلان أو للتنقيص من قدره ولمزه ، فهذا- ولاشك- يلحق بسابقه.
5- أن يجد حرجا في نفسه وتضايقا إذا وجه سؤال إلى غيره، أو طلب من قرينه الكلام بحضوره: فقد يجتمع قرينان أو ثلاثة أقران في مجلس، فيطلب من أحدهم أن يتكلم، أو يوجه إليه سؤال، فتجد أن ذلك الحاسد يصيبه حرج شديد في نفسه، ويتصنع في إظهار عدم التأثر، لأن توجيه السؤال لذلك القرين بعينه من أعظم المصائب على ذلك الرجل.
ولو أنه تذكر: أن ذلك فضل من الله يؤتيه من يشاء ، وأن توجيه السؤال له لا يدل على فضله عليه مطلقا، لهان الأمر على نفسه.
6- أن يقلل من شأن الفوائد أو من شأن العلم الذي يأتي به القرين : فقد يبحث من فيه حسد عن مسألة أو عن جواب لإشكال، ويقلب الصفحات والمجلدات ، ولا يعثر على جواب لتلك المسألة، ثم يعثر عليها قرينه، فإذا بلغه أن قرينه عثر عليها هون من أمرها! لكن لو كان الذي عثر عليها شخص آخر لدعاء له ، وأثنى عليه ، وأطنب في ذكره.
أما أن تكون تلك الفائدة من ذلك القرين، فإنه يعمد إلى كتم إعجابه، وإلى عدم إظهار تلك الفائدة التي حصلها قرينه، لأن ذلك الرجل يعد إظهار سمعة القرين إضعافا لحقه أو هضما لشخصيته.
7- أن يحاول تخطئة كلام قرينه إذا تكلم، ونقده إذا أجاب: فأنت تلاحظ أن بعض الناس إذا ضمهم مجلس ، وذكرت فيه مسألة، ثم أجاب أحد بجواب، فإن من كان في قلبه مرض وحسد، يحاول أن يتتبع العثرات المتكلفة، بل يختلق خطأ في جوابه، أو يحاول أن يصرف كلامه عن ظاهره، أو أن يؤول كلامه حتى يرجعه إلى حوض الخطأ، وهذا لا شك من المرض.
8- عدم عزو الفضل إليه، وعدم عزو الفائدة إليه: فقد يبحث أحد طلبة العلم عن مسألة- كما سبق آنفا- ويتعب في البحث والتنقيب عنها، ثم يشعر صاحبه أو قريته أنه يبحث عنها ، فيدله على موضعها في الكتاب، وبأنها في الصفحة الفلانية. وإذا كان في قلبه حسد حاول عند ذكرها ألا ينسب فضلا لصاحبه، وألا يرجع خيرا له ، بل يزعم أن ذلك من جهده ومن فضله هو وحده! ولم يشاركه صاحبه في هذه الفائدة. وهذا دليل وعلامة على محق بركة العلم:
إذا أفادك إنسان بفائدة من العلوم فأدمن شكره أبدا
وقل فلان جزاه الله صالحة أفادنيها وألق الكبر والحسدا [ذيل الطبقات الحنابلة2/87]
دواء الحسد بين الأقران والذي ينبغي أن يفعل من كان مبتلى بهذا الأمر:
تمهيد: هذا الأمر خطير على طالب العلم ، وكلما تهاون فيه تمكن من نفسه وتأصل عنده، والفقهاء يقولون: الدفع أسهل من الرفع. بمعنى: أنه قبل أن يتأصل الشيء ويتمكن في نفسك ادفعه، لأنه إذا تمكن وتأصل فإن رفعه يصعب عليك. وإليك بعض الأدوية لعلاج الحسد:
الأول: الدعاء للقرين بظهر الغيب: فإذا أصاب قلبك شيء من الحسد على فلان، فادع الله له بالتوفيق والسداد في أموره كلها! فإن الدعاء يحدث في النفس عجبا من تغير الحال وتغير الشأن، ومن نزع الشحناء ، والغل والحقد، وفي المقابل يلقي الله لك قبولا في قلبه.
الثاني: محاولة التحبب له والسؤال عن حاله وحال أهله: فمن الملا حظ أن القرين كلما تحبب إلى قرينه، فإنه يزول عنه من الشحناء بقدر ما يكون من التحبب ، فكلما كان يقترب منه ويكثر من تحببه قلت الشحناء حتى تتلاشى. وجاهد نفسك، واطرح لباس الكبر والتعاظم من نفسك ، وتواضع إلى أخيك ، وسترى منه مالا يخطر على بالك.
الثالث: زيارته وإظهار ماله من الفضل: فقد كان العلماء يزورون طلابهم، ويجعلون ذلك قربة من القرب التي يتقرب بها العبد إلى ربه، لأنه كما قال صلى الله عليه وسلم: ( من عاد مريضا أو زار أخا له في الله ناداه مناد أن طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلا ) [أخرجه الترمذي وابن ماجة، وانظر صحيح الجامع2/1091برقم6387] فكيف إذا زار قرين قرينه وكان قصده – بعد القربة- أن يزول مابينهما من الشحناء، وأن يدفع عنه وعن أخيه شر الشيطان؟ لا شك أن هذه الزيارة تحدث في نفس صاحبها أوفي نفس المزور أثرا عجيبا ، وينتج من ذلك إزالة الشحناء، ويشعر العبد براحة نفسية وبهدوء لا ينتابه كدرا أوقلق، إذا ظهرصيت قرينه عليه أو ظفر قرينه بمسألة تعب هو في البعث عنها.
الرابع : عدم السماح أو الرضا بغيبته وهمزه ولمزه: فإذا كنت في مجلس ولمز فيه صاحبك الذي في قلبك حسد عليه، فلا يكن منك التشفي والفرح بذلك ، بل أمسك عن الكلام فيه ودافع عنه بما تعلم منه، وإن لم تفعل فإن الشيطان يوقد بينكما الشحناء التي كلما تهاونت أنت وإياه بها زاد خطرها.
وإذا لم ترض بغيبته ولم ترض بلمزه ودافعت عنه بظهرالغيب، فإن هذا بحد ذاته يجعل لك قبولا عند الله، وفي المقابل ربما ينقل صنيعتك هذا إليه، فتزداد المحبة بينكما.
يتبع
من كتاب معالم في طريق طلب العلم[ للشيخ عبد العزيز بن محمد بن عبد الله السدحان]
هذه القضية هي في الحقيقة آفة من آفات العلم، بل إن شئت فقل: إنها تمحق بركة العلم، ولقد أجاد السلف وأسهبوا وأطالوا الكلام عليها، وهذه القضية إذا تمكنت من طالب العلم فإنها تفسد عليه آخرته ، وكلما كان متوغلا فيها كان الضرر العائد عليه أعظم وأكبر، وهي تنغص على طالب العلم طلبه للعلم، وتعكر عليه حفظه وحضوره واستيعابه لما يسمع من العلم ، وهذه القضية لا يسلم منها مجتمع لكن يختلف الناس فيها فمستقل ومستكثر.
فلابد أن يطال الكلام عنها لخطورتها، فالحسد في طلب العلم خاصة بين الأقران يفسد على طالب العلم طريقة في الطلب ، وجرم الحاسد قد نص الله عليه في كتابه، وحذر منه النبي صلى الله عليه وسلم: فكلنا يقرأ قول الله تعالى:{ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ } [ الفلق:5] ونقرأ قول الله تعالى:{ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا } [النساء:54]
وتقرأ قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تحاسدوا ) [رواه مسلم]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تحاسدوا إلا في اثنتين.... ).[رواه البخاري ومسلم]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( ولهذا يقال: ما خلا جسد من جسد ، ولكن الكريم يخفيه واللئيم يبديه) [ الفتاوي10/124-125] والحاسد لو فكر قليلا في أمره ، لرأى أنه يعترض على قضاء الله وقدره، حينما أنعم على عبده بنعمة، فهذا الحاسد بلسان الحال- بل وقد يكون بلسان المقال- يعترض على إنعام الله على عبده فلان.
عـــــــــــــــلامــــــ ــات الـــــــــــــحاسد
تمهيد: وهذه العلامات تقل وتكثر حسب قوة الحسد، وأذكر شيئا من هذه العلامات، فلعل من كان مبتلى بها أن يسارع إلى الإقلاع عنها، وأقصر هذه العلامات، على ما يتعلق بطلبة العلم، ولقد أفاض العلماء في الكلام عن آفة الحسد، وكلامهم مفرق في بعض الكتب، وأفرد بعضهم الكلام عنه في رسائل مستقلة.[ مثل ذم البغي لا بن أبي الدنيا]
فمن علامات الحاسد:
1- أن يفرح بخطأ قرينه: وخطأ القرين أعظم من خطأ غيره، لأن القرين هو الذي يزاحمه على الصدارة، وهو الذي ينافسه بين مجتمع الناس، وهذا القرين هو الذي يكدر عليه صفو الشهرة، وكلما أخطأ القرين ازداد فرحه وازدادت بشارته، لأنه يظن أن في خطأ قرينه رفعة له- أي رفعة للحاسد-
2- أن يفرح بغياب قرينه، أو بعدم حضوره في أمر ينازعه فيه، أو يقاسمه فيه:فأنت ترى القرنين إذا اجتمعا يتقاسمان الكلام ، لما لكل واحد منهما من الحظ في العلم، فإذا غاب أحدهما تفرد الآخر بالمجلس، وتصدر عن بقية أصحابه، فيفرح بغياب صاحبه ، لأن في غيابه- فيما يظن- رفعا لدرجته عليه وليمكن له أكثر من صاحبه.
3- أن يسر إذا لمز قرينه أو ثلب، ويجد في قلبه راحة نفسية: بل ولا يحاول أن يمنع المغتاب أو اللامز، هذا إن لم يعنه! ولا شك أن هذا محرم، إذ إن غيبة المسلم العامي لا تجوز، فضلا عن أن يكون طالب علم نفعه متعد إلى غيره.
4- أن يعرض بقرينه إذا سئل عنه: فقد يأتي إلى طالب العلم الحاسد مبتدئ في الطلب، أو سائل من سواد الناس يسأل عن فلان، لأمر تعلق به ، فيجد الحاسد في ذلك فرصة للنيل من فلان أو للتنقيص من قدره ولمزه ، فهذا- ولاشك- يلحق بسابقه.
5- أن يجد حرجا في نفسه وتضايقا إذا وجه سؤال إلى غيره، أو طلب من قرينه الكلام بحضوره: فقد يجتمع قرينان أو ثلاثة أقران في مجلس، فيطلب من أحدهم أن يتكلم، أو يوجه إليه سؤال، فتجد أن ذلك الحاسد يصيبه حرج شديد في نفسه، ويتصنع في إظهار عدم التأثر، لأن توجيه السؤال لذلك القرين بعينه من أعظم المصائب على ذلك الرجل.
ولو أنه تذكر: أن ذلك فضل من الله يؤتيه من يشاء ، وأن توجيه السؤال له لا يدل على فضله عليه مطلقا، لهان الأمر على نفسه.
6- أن يقلل من شأن الفوائد أو من شأن العلم الذي يأتي به القرين : فقد يبحث من فيه حسد عن مسألة أو عن جواب لإشكال، ويقلب الصفحات والمجلدات ، ولا يعثر على جواب لتلك المسألة، ثم يعثر عليها قرينه، فإذا بلغه أن قرينه عثر عليها هون من أمرها! لكن لو كان الذي عثر عليها شخص آخر لدعاء له ، وأثنى عليه ، وأطنب في ذكره.
أما أن تكون تلك الفائدة من ذلك القرين، فإنه يعمد إلى كتم إعجابه، وإلى عدم إظهار تلك الفائدة التي حصلها قرينه، لأن ذلك الرجل يعد إظهار سمعة القرين إضعافا لحقه أو هضما لشخصيته.
7- أن يحاول تخطئة كلام قرينه إذا تكلم، ونقده إذا أجاب: فأنت تلاحظ أن بعض الناس إذا ضمهم مجلس ، وذكرت فيه مسألة، ثم أجاب أحد بجواب، فإن من كان في قلبه مرض وحسد، يحاول أن يتتبع العثرات المتكلفة، بل يختلق خطأ في جوابه، أو يحاول أن يصرف كلامه عن ظاهره، أو أن يؤول كلامه حتى يرجعه إلى حوض الخطأ، وهذا لا شك من المرض.
8- عدم عزو الفضل إليه، وعدم عزو الفائدة إليه: فقد يبحث أحد طلبة العلم عن مسألة- كما سبق آنفا- ويتعب في البحث والتنقيب عنها، ثم يشعر صاحبه أو قريته أنه يبحث عنها ، فيدله على موضعها في الكتاب، وبأنها في الصفحة الفلانية. وإذا كان في قلبه حسد حاول عند ذكرها ألا ينسب فضلا لصاحبه، وألا يرجع خيرا له ، بل يزعم أن ذلك من جهده ومن فضله هو وحده! ولم يشاركه صاحبه في هذه الفائدة. وهذا دليل وعلامة على محق بركة العلم:
إذا أفادك إنسان بفائدة من العلوم فأدمن شكره أبدا
وقل فلان جزاه الله صالحة أفادنيها وألق الكبر والحسدا [ذيل الطبقات الحنابلة2/87]
دواء الحسد بين الأقران والذي ينبغي أن يفعل من كان مبتلى بهذا الأمر:
تمهيد: هذا الأمر خطير على طالب العلم ، وكلما تهاون فيه تمكن من نفسه وتأصل عنده، والفقهاء يقولون: الدفع أسهل من الرفع. بمعنى: أنه قبل أن يتأصل الشيء ويتمكن في نفسك ادفعه، لأنه إذا تمكن وتأصل فإن رفعه يصعب عليك. وإليك بعض الأدوية لعلاج الحسد:
الأول: الدعاء للقرين بظهر الغيب: فإذا أصاب قلبك شيء من الحسد على فلان، فادع الله له بالتوفيق والسداد في أموره كلها! فإن الدعاء يحدث في النفس عجبا من تغير الحال وتغير الشأن، ومن نزع الشحناء ، والغل والحقد، وفي المقابل يلقي الله لك قبولا في قلبه.
الثاني: محاولة التحبب له والسؤال عن حاله وحال أهله: فمن الملا حظ أن القرين كلما تحبب إلى قرينه، فإنه يزول عنه من الشحناء بقدر ما يكون من التحبب ، فكلما كان يقترب منه ويكثر من تحببه قلت الشحناء حتى تتلاشى. وجاهد نفسك، واطرح لباس الكبر والتعاظم من نفسك ، وتواضع إلى أخيك ، وسترى منه مالا يخطر على بالك.
الثالث: زيارته وإظهار ماله من الفضل: فقد كان العلماء يزورون طلابهم، ويجعلون ذلك قربة من القرب التي يتقرب بها العبد إلى ربه، لأنه كما قال صلى الله عليه وسلم: ( من عاد مريضا أو زار أخا له في الله ناداه مناد أن طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلا ) [أخرجه الترمذي وابن ماجة، وانظر صحيح الجامع2/1091برقم6387] فكيف إذا زار قرين قرينه وكان قصده – بعد القربة- أن يزول مابينهما من الشحناء، وأن يدفع عنه وعن أخيه شر الشيطان؟ لا شك أن هذه الزيارة تحدث في نفس صاحبها أوفي نفس المزور أثرا عجيبا ، وينتج من ذلك إزالة الشحناء، ويشعر العبد براحة نفسية وبهدوء لا ينتابه كدرا أوقلق، إذا ظهرصيت قرينه عليه أو ظفر قرينه بمسألة تعب هو في البعث عنها.
الرابع : عدم السماح أو الرضا بغيبته وهمزه ولمزه: فإذا كنت في مجلس ولمز فيه صاحبك الذي في قلبك حسد عليه، فلا يكن منك التشفي والفرح بذلك ، بل أمسك عن الكلام فيه ودافع عنه بما تعلم منه، وإن لم تفعل فإن الشيطان يوقد بينكما الشحناء التي كلما تهاونت أنت وإياه بها زاد خطرها.
وإذا لم ترض بغيبته ولم ترض بلمزه ودافعت عنه بظهرالغيب، فإن هذا بحد ذاته يجعل لك قبولا عند الله، وفي المقابل ربما ينقل صنيعتك هذا إليه، فتزداد المحبة بينكما.
يتبع