المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الاولويات


سنن
04 Feb 2008, 09:20 AM
مراعاة فقه الأولويات

المراد بفقه الأولويات : " معرفة ما هو الأجدر بالتقديم والأولى بالتطبيق لاسيما عند التزاحم بين المصالح أو المفاسد " ، وهو مبدأ أصيل من المبادئ الشرعية ، وقاعدة مهمة من قواعد الدين الكلية ، قال شيخ الإسلام :" قاعدة الشريعة ... تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما ، ودفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما " ، وقال :" فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير ، ولا دفع أخف الضررين بتحصيل أعظم الضررين ، فإن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها ، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان ، ومطلوبها ترجيح خير الخيرين إذا لم يمكن أن يجتمعا جميعا ، ودفع شر الشرين إذا لم يندفعا جميعا " .
وقال :" تمام الورع أن يعلم الإنسان خير الخيرين وشر الشرين ويعلم أن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها ، و إلا فمن لم يوازن ما في الفعل والترك من المصلحة الشرعية والمفسدة الشرعية فقد يدع واجبات ويفعل محرمات جميعا ويرى ذلك من الورع ، كمن يدع الجهاد مع الأمراء الظلمة ويرى ذلك ورعا ، ويدع الجمعة والجماعة خلف الأئمة الذين فيهم بدعة أو فجور ويرى ذلك من الورع ، ويمتنع من قبول شهادة الصادق وأخذ علم العالم لما في صاحبه من بدعة خفية ويرى ترك قبول سماع هذا الحق الذي يجب سماعه من الورع ".
فإذا تزاحمت المصالح ولم يمكن تحصيلها جميعا ، أو تزاحمت المفاسد ولم يمكن دفعها جميعا فعلى المكلف أن يقدم أعلى المصلحتين ويدفع أعظم المفسدتين ، قال شيخ الإسلام :" المؤمن ينبغي له أن يعرف الشرور الواقعة ومراتبها في الكتاب والسنة كما يعرف الخيرات الواقعة ومراتبها في الكتاب والسنة ، فيفرق بين أحكام الأمور الواقعة الكائنة والتي يراد إيقاعها في الكتاب والسنة ليقدم ما هو أكثر خيرا وأقل شرا على ما هو دونه ، ويدفع أعظم الشرين باحتمال أدناهما ، ويجتلب أعظم الخيرين بفوات أدناهما ، فإن من لم يعرف الواقع في الخلق والواجب في الشر لم يعرف أحكام الله في عباده ، وإذا لم يعرف ذلك كان قوله وعمله بجهل ، ومن عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح ".
وقد دل على هذا الأصل أدلة كثيرة منها قوله عز وجل : (والفتنة أشد من القتل )فقتل النفوس وإن كان فيه شر وفساد ، ففي فتنة الكفار وظهورهم على أهل الحق من الشر والفساد ما هو أكبر منه فيدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما ، ومنها قصة الخضر مع أصحاب السفينة حين نزع لوحا منها لأن بقاء السفينة معيبة خير من فواتها وهي سليمة ، ومنها حديث الأعرابي الذي بال في المسجد حيث تركه النبي صلى الله عليه وسلم حتى فرغ لئلا يوسع دائرة الفساد ، ومنها تركه صلى الله عليه وسلم قتل المنافقين مع استحقاق بعضهم لذلك دفعا لمفسدة إعراض الناس عن الدين ، ففقه الأولويات مبدأ مهم يحتاج إليه العالم والمتعلم والداعية وعموم المسلمين .