المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من أمثال القرآن العظيم


أم عبد الرحمن
25 Dec 2006, 04:02 PM
قال الله تعالى: { أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ} [الرعد: 17].
قال ابن القيم – رحمه الله تعالى – : ذكر سبحانه المثلين المائي والناري في سورة الرعد ولكن في حق المؤمنين، فقال تعالى: { أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ}.
شبّه الوحي الذي أنزله لحياة القلوب والأسماع والأبصار، بالماء الذي أنزله لحياة الأرض بالنبات، وشبّه القلوب، بالأودية.
فقلبٌ كبيرٌ يسعُ علمًا عظيمًا، كوادٍ كبيرٍ يسعُ ماءً كثيرًا.
وقلبٌ صغيرٌ إنما يسعُ بحسبه، كالوادي الصغير.
{فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} واحتملت قلوب من الهدى والعلم بقدرها، كما أنّ السيل إذا خالط الأرض ومرّ عليها احتملت غثاءً وزبدًا، فكذلك الهدى والعلم إذا خالط القلوب أثار ما فيها من الشهوات والشبهات؛ ليقلعها ويذهبها، كما يثير الدواء وقت شربه من البدن أخلاطه، فتكرب بها شاربه، وهي من تمام نفع الدواء، فإنه أثارها ليذهب بها، فإنه لا يجامعها ولا يساكنها، وهكذا {يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ}.
ثم ذكر المثل الناري فقال: {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ} وهو الخبث الذي يخرج عند سبك الذهب والفضة والنحاس والحديد فتخرجه النار وتميّزه وتفصله عن الجوهر الذي ينتفع به، فيرمى ويطرح ويذهب جفاء، فكذلك الشهوات والشبهات يرميها قلب المؤمن ويطرحها ويجفوها كما يطرح السيل والنار ذلك الزبد والغثاء والخبث، ويستقر في قرار الوادي الماء الصافي الذي يسقي منه الناس ويزرعون ويسقون أنعامهم كذلك يستقر في قرار القلب وجذره الإيمان الخالص الصافي الذي ينفع صاحبه وينتفع به غيره.
ومن لم يفقه هذين المثلين ولم يتدبرهما ويعرف ما يراد منهما فليس من أهلهما. والله الموفق..
المرجع: الأمثال في القرآن الكريم لابن قيم الجوزية

عابرة سبيل
25 Dec 2006, 09:28 PM
نفع الله بكِ

وجزاكِ خيراً على ما اتحفتنا به من درر

بشـرى
27 Dec 2006, 06:09 AM
سبحان الله وبحمده ..
جزاك الله خيراً ..

طريق الحق
27 Dec 2006, 03:58 PM
بورك الانتقاء

أجزل الله لكِ العطاء

حادي الركاب
04 Jan 2007, 10:17 PM
بارك الله فيك

ونفع بك

أم عبد الرحمن
08 Jan 2007, 11:58 PM
فصل: ومنها قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوت} [العنكبوت: 41].
فذكر سبحانه إنهم ضعفاء، وأن الذين اتخذوهم أولياء مثل المشرك بالعنكبوت أضعف منهم، فهم في ضعفهم وما قصدوه من اتخاذ الأولياء كـ {الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا} وهو {أَوْهَنَ الْبُيُوتِ} وأضعفها، وتحت هذا المثل أن هؤلاء المشركين أضعف ما كانوا حيث اتخذوا من دون الله أولياء، فلم يستفيدوا بمن اتخذوهم أولياء إلا ضعفًا.
كما قال تعالى: { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} [مريم: 82،81].
وقال تعالى: { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ} [يس: 75،74].
وقال بعد أن ذكر هلاك الأمم المشركين: { وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آَلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيب} [هود: 101].
فهذه أربعة مواضع في القرآن تدل على أن من اتخذ من دون الله وليًّا يتعزَّز به و يتكثَّر به ويستنصر به لم يحصل له به إلا ضدّ مقصوده، وفي القرآن أكثر من ذلك.
وهذا من أحسن الأمثال وأدلّها على:
*بطلان الشرك

*وخسارة صاحبه

*وحصوله على ضدِّ مقصوده.
فإن قيل: فهم يعلمون أن أوهن البيوت بيت العنكبوت، فكيف نفى عنهم علم ذلك بقوله {لو كانوا يعلمون}؟
فالجواب: أنه سبحانه لم ينفِ عنهم علمهم بوهن بيت العنكبوت، وإنما نفى علمهم بأن اتخاذهم أولياء من دونه كالعنكبوت اتخذت بيتًا، فلو علموا ذلك لما فعلوه، ولكن ظنوا أن اتخاذهم الأولياء من دونه يفيدهم عزًّا وقوةً، فكان الأمر بخلاف ما ظنوا مثل من عمله كسراب أو في بحرٍ لجيٍّ.
[المرجع: من أمثال القرآن العظيم لابن قيم الجوزية].

أم عبد الرحمن
18 Jan 2007, 07:29 PM
فصل ومنها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج:74،73]
حقيق كل عبد أن يستمع لهذا المثل، ويتدبّره حقّ تدبّره، فإنه يقطع موارد الشرك من قلبه، وذلك أن المعبود أقل درجاته أن يقدر على إيجاد ما ينفع عابده وإعدام ما يضره، والآلهة التي يعبدها المشركون من دون الله لن تقدر على خلق ذباب ولو اجتمعوا كلهم لخلقه، فكيف ما هو أكبر منه؟! ولا يقدرون على الانتصار من الذباب إذا سلبهم شيئًا مما عليهم من طيب ونحوه فيستنقذونه منه، فلا هم قادرون على خلق الذباب الذي هو من أضعف الحيوان، ولا على الانتصار منه واسترجاع ما سلبهم إياه، فلا أعجز من هذه الآلهة، ولا أضعف منها، فكيف يستحسن عاقل عبادتها من دون الله تعالى؟!!
وهذا المثل من أبلغ ما أنزل الله سبحانه في:
• بطلان الشرك
• وتجهيل أهله
• وتقبيح عقولهم
• والشهادة على أن الشياطين قد تتلاعب بهم أعظم من تلاعب الصبيان بالكرة، حيث أعطوا الإلهية التي من بعض لوازمها القدرة على جميع المقدورات والإحاطة بجميع المعلومات والغنى عن جميع المخلوقات وأن يعمد إلى الرب في جميع الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات وإجابة الدعوات، فأعطوها صورًا وتماثيل تمتنع عليها القدرة على مخلوقات الآلهة الحق وأذلها وأصغرها وأحقرها، ولو اجتمعوا لذلك وتعاونوا عليه.
• وأدلّ من ذلك على عجزهم وانتفاء آلهتهم أن هذا الخلق الأقل الأذلّ العاجز الضعيف لو اختطف منهم شيئًا، واستلبه فاجتمعوا على أن يستنقذوه منه لعجزوا عن ذلك ولم يقدروا عليه.
ثم سوى بين العابد والمعبود في الضعف والعجز بقوله {ضعف الطالب} مثل الذي ينعق {والمطلوب} قيل: الطالب العابد، والمطلوب المعبود، فهو عاجز متعلق بعاجز.
وقيل: هو تسوية بين السالب والمسلوب، وهو تسوية بين الإله والذباب في الضعف والعجز، وعلى هذا فالطالب الإله الباطل، والمطلوب الذباب يطلب منه ما استنقذه منه.
وقيل: الطالب الذباب، والمطلوب الآلهة، فالذباب يطلب منه ما يأخذه مما عليه.
والصحيح: أن اللفظ يتناول الجميع، فضعف العابد والمعبود، والسالب والمسلوب، فمن جعل هذه الآلهة مع القوي العزيز:
• فما قدره حق قدره
• ولا عرفه حق معرفته
• ولا عظمه حق عظمته.
المرجع: الأمثال في القرآن الكريم للإمام ابن قيم الجوزية.