المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الله أعلم حيث يجعل رسالاته


سامية سامي
12 Aug 2008, 01:41 PM
الله أعلم حيث يجعل رسالاته


قال تعالى :
{ إهدنا الصراط المستقيم {} صراط الذين أنعمت عليهم }الفاتحة 6،7
وهؤلاء المنعم عليهم هم المذكورين في قوله تعالى :
{ ومن يطع الله والرسول فأولئكمع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين وحسن أولئك رفيقا }النساء 69

فالنعم كلها من نعم الدين والدنيا من نعم الله ومنه وفضله على عبده وهو سبحانه – وإن كان أجود الأجودين وأرحم الراحمين وأكرم الأكرمين – فإنه أحكم الحاكمين وأعدل العادلين لايضع الأشياء إلا في مواضعها اللائقة بها ولا يناقض جوده ورحمته وفضله حكمته وعدله .

فمن بهرت حكمته العقول والألباب كيف له أن يضع الأشياء في غير مواضعها اللائقة بها ؟
ومن المعلوم أن أجل نعمة على عبده نعمة الإيمان به ومعرفته ومحبته وطاعته والرضا به والإنابة اليه والتوكل عليه والتزام عبوديته .

ومن المعلوم أيضا أن الأرواح منها الخبيث ومنها الطيب وبين ذلك ، وكذلك القلوب منها القلب الشريف الزكي ، والقلب الخسيس الخبيث ، وهو سبحانه خلق الأضداد كما خلق الليل والنهار والبرد والحر والداء والدواء وهو أعلم بالقلوب الزاكية والأرواح الطيبة التي تصلح لإستقرار هذه النعم فيها ، وإيداعها عندها ويزكوا فيها ، فيكون تخصيصه لها بهذه النعم كتخصيص الأرض الطيبة القابلة للبذر ، فليس من الحكمة أن يبذر البر في الصخور والرمال والسباخ ، وفاعل ذلك غير حكيم ، فما الظن ببزر الإيمان والقرآن والحكمة ونور المعرفة والبصيرة في المحال التي هي أخبث المحال .

فالله – عز وجل – أعلم حيث يجعل رسالاته أصلا وميراثا ، فهو أعلم بمن يصلح لتحمل رسالته فيؤديها الى عباده بالأمانه والنصيحة وتعظيم المرسل والقيام بحقه والصبر على أوامره والشكر لنعمه والتقرب اليه ، ومن لا يصلح لذلك .

وهو تعالى أعلم بمن يصلح من الأمم لوراثة رسله والقيام بخلافتهم وحمل ما بلغوه عن ربهم ، قال عبد الله بن مسعود : إن الله نظر في قلوب العباد فرآى قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب أهل الأرض فاختصه برسالته ، ثم نظر في قلوب العباد فرآى قلوب أصحابه خير قلوب العباد فاختارهم لصحبته( رواه الحاكم 78/3 وأحمد بنحو78/3 ) .

فالرب سبحانه وتعالى إذا علم من محل أهلية لفضله ومحبته ومعرفته وتوحيده حبب إليه ذلك ووضعه فيه وكتبه في قلبه ووفقه له وأعانه عليه ، ويسر له طرقه وأغلق دونه الأبواب التي تحول بينه وبين ذلك ، ثم تولاه بلطفه وتدبيره وتيسيره وتربيته أعظم من تربية الوالد الشفيق الرحيم المحسن لولده الذي هو أحب شيء اليه ، فلا يزال يعامله بلطفه ويختصه بفضله ويؤثره برحمته ويمده بمعونته ويؤيده بتوفيقه ويريه مواقع إحسانه إليه وبره به ، فيزداد العبد به معرفة وله محبة وإليه إنابة وعليه توكلا ، ولا يتولى معه غيره ولا يعبد معه سواه .

::::::: وهذا الذي عرف قدر النعمة وعرف المنعم وأقر بنعمته وصرفها في مرضاته ::::::::


وإقتضت حكمت الرب تعالى وجوده وكرمه وإحسانه أن بذر في هذا القلب بذر الإيمان والمعرفة ، وسقاه ماء العلم النافع والعمل الصالح ، وأطلع عليه من نوره شمس الهداية ، وصرف عنه الآفات المانعة من حصول الثمرة فأنبتت أرضه الزاكية من كل زوج كريم .

كما في حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
(( مثل ما بعثني الله من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا ، فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكان منها طائفة أجادب أمسكت الماء فسقي الناس وزرعوا ، وأصابب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه بما بعثني الله به ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي ارسلت ))رواه البخاري 79 – ومسلم 2282 – وأحمد 4/399

فمثل القلوب بالأرض التي هي محل النبات والثمار ومثل الوحي الذي وصل اليها من بارئها وفاطرها بالماء الذي ينزل على الأرض : فكانت كالتالي :

1-فمن الأرض أرض طيبة قابلة للماء والنبات فلما أصابها الماء أنبتت ما انتفع به الآدميون والبهائم
هذا بمنزلة القلب القابل لهدى الله ووحيه المستعد لزكائه فيه وثمرته ونمائه وهذا خير قلوب العالمين .


2-ومن الأرض أرض صلبة منخفضة غير مرتفعة ولا رابية ، قابلة لحفظ الماء واستقراره فيها ففيها قوة الحفظ وليس فيها قوة النبات ، فلما حصل فيها الماء أمسكته وحفظته فورده الناس لشربهم وشرب مواشيهم وسقوا منه زروعهم ، وهذا بمنزلة القلب الذي حفظ الوحي وضبطه وأداه الى من هو أفهم له منه وأفقه منه وأعرف بمراده وهذا في الدرجة الثانية .

3-ومن الأرض أرض قيعان وهي المستوية التي لا تنبت إما لكونها سبخة أو رمالا ولا يستقر فيها الماء ، فغذا وقع عليها الماء ذهب ضائعا لم تمسكه لشرب الناس ولم تنبت به كلأ لأنها غير قابلة لحفظ الماء ولا لنبات الكلأ والعشب وهذا حال الأشقياء الذين لم يقبلوا هدى الله ولم يرفعوا به رأسا ومن كان بهذه المثابة فليس من المسلمين .


لا بد لكل مسلم أن يزكو الوحي في قلبه فينبت من العمل الصلح والكلم الطيب ونفع الناس وغيره بحسب قدرته فمن لم ينبت قلبه شيئا من الخير البتة فهذا من أشقى الأشقياء ، فصلاة الله وسلامه على من الهدى والبيان والشفاء والعصمة في كلامه وفي امثاله ..


الله سبحانه وتعالى أعلم بمواقع فضله ورحمته وتوفيقه، ومن يصلح لها ومن لا يصلح ، وأن حكمته تأبى أن يضع ذلك عند غير أهله ، كما تأبى أن يمنعه من يصلح له ، وهو سبحانه وتعالى الذي جعل المحل صالحا وجعله أهلا وقابلا ، فمنه الإعداد والإمداد ومنه السبب والمسبب .


ابن القيم رحمه الله تعالى



اللهم اجعلني أفقر خلقك اليك وأغناهم بك