بسم الله الرحمن الرحيم ::::
هذا نظم مبارك لطيف , جمع فيه ناظمه رحمه الله جودة الأسلوب وبديع الوصف وعظيم التواضع .. ألا وهو الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله تعالى ..
يقول رحمه الله :
حَمَدْتُ الذي أغْـنى وأقْـنى وعَلَّّمَـا
وصيَّـرَ شُكْـرَ العبْدِ للخيرِ سُلَّمـا
وأُهْدي صَلاةً تَستمـرُّ على الرِّضـا
وأَصَحابِـه والآلِ جَمْعـًا مُسَلِّمـا
كَمَـا دلَّنـا فِي الَوحي والسُنـنِ الَتي
أَتَانـا بِهَـا نحـوَ الرَّشـادِ وعَلَّمـا
أَزالَ بِهـا الأَغْلافَ عنْ قَلبِ حَائـرٍ
وفَتَّـحَ آذَاناً أُصِمَّـتْ وأَحْـكَمـا
فَيَـا أَيْهـا البَاغِي اسْتِنَارةَ قلــبِـهِ
تدَبَّرْ كِلاَ الوَحيـْين وانقَدْ وسَلِّمـا
فعنـوانُ إسعادِ الفَـتى في حيـاتِـهِ
مـعَ اللهِ إِقْبـَالاًعليـه مُعَظِّـمـا
وفَاقدُ ذَا لا شكَّ قدْ مـاتَ قلبُـه
أوِ اعْتلّ بِالأمراضِ كالرَّيـنِ والعَمـى
وآيةُ سُـقْـمٍ في الجَوارحِ مَـنْعُهـا
مَنافِعَهـا أو نَقْـصُ ذلَـكَ مِـثْلَما
وَصِـحَّتُهـا تُدَرى بِإتيـانِ نَفْعِهَـا
كَنُطقٍ وبـَطْـشٍ والتَصرُّفِ والنْمـا
وعَيْنُ امتِراضِ الْقَلب فَقْدُ الذِي لَـه
أُرِيدَ مِن الإخْلاصِ والحُبِّ فاعْلَمـا
وَمـعْرِفـةُ الـشـوْقِ إليـهِ إِنـابةٌ
بِإِيثـارِ ذا دُونَ المَحَـبَّاتِ فاحْـكُما
وَمُؤثِـرُ مَحْبُـوبٍ سِوَى اللهِ قَلبـُه
مَرِيضٌ علَى جُرفٍ مِن الموتِ والعَمـى
وأَعْظمُ محْـذُورٍ خَفَى مَـوْتُ قلبِـهِ
عَليْـهِ تَشغَّـلَ عنْ دَوَاهُ بِضِـدِّ مـا
وَآيـة ذَا هَـونُ القبَـائِحِِِِِِِِِِِ عِنـدَه
وَلوْلاه أضْـحَـى نـَادِمـًا مُتأَلِّمـا
فَجامـعُ أَمْـراضِ القلـوبِ اتّباعُـها
هَواهَـا فخالِفْهـا تـَصِـحُّ وتَسْلَمـا
ومَنْ شُؤمِـهِ تَـرْكُ اغتذاءٍ بنـافـعٍ
وتَرْكُ الدَّوا الشّـافِي وعجـزٌ كِلاهُمـا
إذا صحَّ قَلْـبُ العَبْـدِ بانَ ارْتِحـالُـهُ
إلـى دارهِ الأُخْـرى فَـرَاحَ مُسَلِّمـا
ومِنْ ذاكَ إحْسـاسُ المُـحِبِّ لِقَلْبـِهِ
بِـضَـرْبٍ وتَـحْريـكٍ إِلى اللهِ دَائمـا
إِلى أنْ يـُهَـنَّـا بالإنـابـةِ مُخْبِتـًا
فَيَسْـكُـنَ في ذَا مَطْمَئنـًّا مُـنَعَّـمـا
وفِيهـا دَوامُ الذِّكْـرِ في كُـلِّ حالـةٍ
يَـرَى الأُنْسَ بالطـاعـاتِ لله مَغْنَمـا
ويَصْحَـبُ حُـرًّا دَلَّـهُ في طَـريقِـهِ
وكانَ مُعـينـًا ناصحـًا مُتَيَـمِّـمـا
ومنهـا إذا ما فـاتَـه الـوِرْدُ مـرةً
تَـرَاهُ كئـيبـًا نـادِمـًا مُـتَـألِّمـا
ومنهـا اِشْتياقُ القلبِ في وقْتِ خِدْمةٍ
إليهـا كما اشْتَدَّ بـه الجـوعُ والظَّمـا
ومِنْهـا ذَهَابُ الهَـمِّ وقـتَ صَلاَتـهِ
بدْنيـاهُ مُـرْتَاحـاً بهِ مُـتَـنَـعِّمـا
ويَـشْتَّدُ عَنْهـا بُعْـدُه وخُـرُوجُـه
وقد زالَ عنه الهـمُّ والغـمُّ فاسْتـَمـا
فَـأكْرِم به قـلـبـًا سليمـًا مُقَرَّبـا
إِلـى اللهِ قد أضْحـى مُحِبـِّا مُتيَّمــا
ومِنْهـا اِجْتِمـاعُ الهـمِّ مِنْه بِـربِّـهِ
بِمـرْضَـاتِهِ يَسْعـى سَرِيعـاً مُعَظِّمـا
ومِنْهـا مُـراعَـاةٌ وشُـحٌّ بوقْـتِـهِ
كمـا شَـحَّ ذو المـالِ البخيلِ مُصَمِّما
ومِنْهـا اِهْتِمـامٌ يُثمرُ الحِرصَ رغَبْـةً
بِتَصحيـحِ أَعْمـالٍ يـكونُ مُـتَمَّمـا
بِإخـلاصِ قَصْدٍ والنْصِيحـةِ مُحْسنـًا
وتـقـيـيـدِه بالاتـّبـاعِ مُـلازِمـا
وَيَشهـدُ مَـعْ ذا مِـنَّـةَ اللهِ عِنـْدَه
وَتَـقْصِـيـرَه في حـقِّ مَـولاهُ دائمـا
فَسِـتٌّ بها القَلبُ السْلِيـمُ ارْتـداؤهُ
ويَنْجـو بهـا مِنْ آفـةِ الموتِ والعَمـى
فَـيـاربِّ وفِّقْنَـا إِلـى مَـا نَقولُـهُ
فمـا زِلْـتَ يـا ذا الطَّوْل بَرًّا ومُنْعِمـا
فَـإني وإنْ بَـلَّغـتُ قَـولَ مُحَقِـقٍ
أُقـرُّ بِتَقْصِيـرِي وجَهَلـي لعلـمِ مـا
ولمَّـا أَتى مِثْلـي إِلى الجـوِّ خـاليـًا
مـن العِلـمِ أَضْحـى مُعْلِنـًا مُتكَلِّمـا
كَغـابٍ خَـلاَ مِـنْ أُسْدِهِ فَتَـواثَبَتْ
ثَعَـالبُ ما كانتْ تَطـا في فِنَـا الحِمـى
فَيَـا سامعَ النَّجوى وَيا عـالِمَ الخَفَـا
سَألـتُـكَ غُفْرَانـاً يكـونُ مُـعَمَّمـا
فمـا جـرَّني إلا اضـطـرارٌ رأيتُـهُ
تَخـوَّفتُ كوني إنْ تـوقّفتُ كاتِـمـا
فأبْـديْتُ مـن جَرَّاه مُزْجى بِضـاعَتي
وأمَّـلْتُ عفـواً مِـنْ إلـهي ومَرْحمـا
فمـا خَـابَ عبـدٌ يَسْتَجيـرُ بِرَبـِّهِ
ألحَّ وأمْـسَى طاهـرَ القَلْـبِ مُسْلِمـا
وصـلّـوا عـلـى خَـيْـرِ الأنامِ محمدٍ
كذا الآلِ والأصْحَابِ مَا دامَت السَّمـا
** شرح مجمل لهذا النظم المبارك **
بدأ الناظم رحمه الله تعالى نظمه بحمد ربه جل جلاله الذي أغناه وأقناه وعلَّمه , وجعل شكر العبد أحد الطرق الموصلة إلى الخير .
ثم أهدى بعد حمده صلاةً , ورجا استمرارها على الرضا ويريد به النبي صلى الله عليه وسلم ويهديها كذلك إلى الصحابة والآل ؛ وهذا الإهداء لأجل أن النبي صلى الله عليه وسلم دلَّه في الوحي ويريد به القرآن الكريم , والسنن وهي سنته صلى الله عليه وسلم , إلى الرشاد والطريق السليم والذي كانت ثمرته أن الأغلاف التي على القلب الحائر زالت وسلم القلب منها !
ثم وجَّه النداء إلى كلِّ من يُريد أن يكون في قلبه نوراً وضياءً , أن طريق الحصول عليهما هو في تدبر الوحيين وهما الكتاب والسنة والانقياد لأحكامهما والتسليم لأخبارهما .
وأن عنوان السعادة , سعادة المرء في هذه الحياة أن يقبل على الله تعالى معظما لربه جل جلاله ! ومن فَقَدَ هذا فقلبه أحد قلبين إما إنه ميت أو مصاب بالعلل والأمراض المعنوية كالرين وهو غلاف غليظ على القلب أو مصاب بعمى القلب !
ودليل ذلك أن الإنسان يعرف أن جوارحه سقيمة , ومريضة عندما لا يستطيع أن يحركها فيمنعه مثلا شلل في يده أن يحركها وينتفع بها , وقد يكون السقم والمرض لا يمنعه ؛ لكنه يقلل من الحصول على منفعتها فتصبح يده كما في المثال ثقيلة لا يحركها بسهولة !
وفي المقابل فإن سلامة هذه الجوارح وصحتها تُعرف بأن ينتفع بها الإنسان كامل الانتفاع فاللسان مثلا عندما ينطق به نطقا سليما يسيرا , واليد عندما يأخذ بها ويبطش ويفعل ما يريد بسهولة , ونمو هذه الجوارح يدل على سلامتها من العلل ؛ فكذلك القلب إذا عُدِمَ نفعه أو قَلَّتْ منفعته فهو مريضٌ عليل !
وأشد أمراض القلب أن يفقدَ قلبك ما أُريد به من الإخلاص لله تعالى وحبه جل جلاله ؛ فإذا خلا قلبك من هذه الأمور فاعلم أنه قلبٌ عليل فسارع لدوائه !
وأما إن وجدت قلبك على غير هذه الحالة , فوجدت فيه الشوق إليه , فاعلم أن صدق ما وجدت يكون عندما تجد هذا الشوق يدفعك إلى الإنابة وتقديم ما يحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على محبوبات نفسك ورغباتها , وبهذا تستطيع أن تحكم على صدق شوقك أم زيفه !
فإن كنت ممن يؤثر ما يحب على ما يحبه الله جل جلاله فاعلم أن قلبك مريض على حافة من الهلاك إما الموت وإما عمى القلب ,
فإن أعظم محذور يخفى على الإنسان هو موت القلب وانشغاله بغير علاجه !
وعلامة حصول هذا المحذور أن تكون القبائح عندك هينة ؛ لأن قلبك لو كان سليما لكان عند حصول القبائح نادما متألما .
فجامع أمراض القلوب والذي كل علة ترجع إليه هو أن يتبع قلبك هواك المخالف للشرع فمتى ما خالفت هذا الهوى صح قلبك وسلم !
ومن شؤم وعقوبة هذا الإتباع أن يتغذى القلب على شيء لا ينفع , ويترك كذلك الدواء الشافي الذي يعالج قلبه ويصحب ذلك كله العجز فهو شر بلية يبلى بها المرء !
إن العبد إذا كان قلبه صحيحا ظهر واتضح وبان ارتحاله وسفره إلى دار الآخرة يرجو ما بها مُسَلِّما على هذه الدار الفانية غير عابه بها , ومن علامة صحة قلبك أن تحس أن قلبك يخفق ويضرب ويتحرك دوما نحو ربك جل جلاله لا يستقر ولا يطمئن إلا عند ذكره وفي طاعته , حتى يهنا ويثمر ذلك التحريك والضرب بالإنابة والخضوع لربه جل جلاله ونتيجة هذه الثمرة سكون القلب وراحته واطمئنانه ونعيمه الذي لا يمكن أن يتنعم بغيره !
ومن علامة صحة قلبك أن تذكر ربك في كل وقت , لا يمكن أن يسعد قلبك ويرى النعيم إلا في هذا الطريق الذي هو طاعة ربه جل جلاله !
ومما يعين على ذلك أن يصحب المرء حرا أي إنسانا لم يأسره هواه ولا حب دنياه ؛ بل هو خالص من كل ذل إلا لله تعالى ؛ هذا المرء هو الذي يدل على الطريق الصحيح بأن يعينك عند حاجتك وينصحك عند مخالفتك !
ومن علامة صحة القلب كذلك إن يكون لك ورد وطاعة لا تتركها , فإذا فاتت عليك في أحد المرات وجدت في قلبك الكآبة والندم والتوجع والألم لفواتها !
ومن علامة صحة قلبك أن يشتاق في وقت الطاعة إليها كشوق من اشتد به الجوع والظمأ عندما يجد ما يأكل وما يشرب !
ومن علامة صحة قلبك كذلك أن هم الدنيا يزول عن قلبك عندما تقف بين يدي ربك جل جلاله للصلاة , فترتاح بها وتطمئن وتتنعم , ويشتد هذا البعد والخروج عن هذا الهم فيزول غمك ويرتفع قلبك ويسمو !
فمن كانت هذه صفة قلبه فأكرم به من قلب سليم قريب من ربه جل جلاله حتى أصبح شديد المحبة فهو متيم في حبه هذا !
ومن علامات صحة قلبك أن تجمع همك على ربك جل جلاله فلا تظن بربك إلا خيرا وأنه هو الذي ينفع ويضر , وتسعى في كل ما يرضيه وتعظيمه في قلبك لا يفارقه .
ومن علامات صحته كذلك أن يراعي أوقاته ويشح بها وذلك بأن يحاسب نفسه حسابا دقيقا كما يحاسب البخيل في إنفاق ماله !
ومن علاماته كذلك أن يكون في قلبك اهتمام يثمر حرصا منك ورغبة في تصحيح جميع أعمالك وأن تحاول بلوغ التمام فيها ما استطعت إلى ذلك سبيلا ؛ وهذا لا يكون إلا بالإخلاص لله تعالى وسلامة النية والنصح بالحسنى وأن يكون قلبك متبعا ملازما لكل ما وافق الشرع منتهيا عن كل ما نهاه , ثم يشهد مع هذا كله عظيم منة الله تعالى وفضله عليه , وأنه مهما عمل فإنه مقصر في حق مولاه جل جلاله !
فهذه الأمور للقلب بمثابة الرداء والثوب للبدن , متى ما كان قلبك متصفا بها نجا من أخطر مرضين يعتريان القلب وبهما هلاكه الموت والعمى !
ثم بعد بيان القلب المريض والميت والسليم ختم الناظم رحمه الله تعالى نظمه بسؤال الله تعالى التوفيق إلى امتثال ما نقول , فإنك ما زلت بنا برَّاً ومنعما , فإني وإن قمت بالبلاغ فما سبق من كلام ليس من قولي - وهذا من عظيم تواضعه رحمه الله – إنما قمت بتبليغه لغيري , لأنه قول محقق لا يمكن أن أقوله وأنا أقر وأعترف بتقصيري وجهلي وعلمي بهما !
وسبب تبليغي هذا : أنه حين أتى من هم أمثالي من أهل التقصير والجهل إلى مكان ليس فيه علم ولا علماء تكلمنا وأعلنا , فمَثَلنا كمَثَل غابة ليس فيها أُسدها وهم الملوك - كما يقال – فلما غابت تواثبت الثعالب التي ليست بشيء , والتي لم تكن تجرؤ على أن تطأ في ساحة وفناء حمى هذا الأسد !
فيا من يسمع النجوى , ويا من يعلم ما خفى أسألك غفرانا يكون عاما لكل ذنوبي , فوالله ما حملني على هذا البلاغ وكتابة هذا النظم والقول إلا ضرورة رأيتها خشيت إن سكت ولم أبين هذا القول أكون ممن يكتم العلم , مما جعلني أظهر للناس علمي وهو بمثابة البضاعة المزجاة , وأملي أن تعفو عني وترحمني لتطاولي وتقصيري , فإنه لا يخيب من يستجير بك يا إلهي, وألحَّ عليك بإجابة سؤاله ؛ وهو طاهر القلب مسلما لك !
هذا ما يسر الله بيانه , وتوضيح ألفاظه , والله أسأل أن يجيب للشيخ دعائه..
هذا النظم سبق أن طلبته ولم أجده في الشبكة ولا المكتبة , فأوصله إلي أخ كريم , لعلي أرفعه قريبا مرتبا وأخبرني أن فضيلة الشيخ الدكتور خالد بن عبد الله المصلح قد شرحه في جامع الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله في أحد عشر مجلساً تقريبا ونوصي بالاستماع إليه ...
اسأل الله أن يجعلنا ممن يقدم عليه بقلب سليم ..